قال شابٌ مُنْهَمِكٌ في المعاصي لِصاحبه:
يا صاحبي ما لي أراكَ تغيرت منك الطَّباع كأنَّ عقلُك ذاهلُ
عهدي بقلبك ساليًا من هَمِّهِ واليوم أصبح فيك هَمُّ واغِلُ
قُمْ كي نُشَاهِدَ ما يَسُرُّ قلوبنا ودَعِ الهُمومَ وكلَّ ما هو شاغل
صُوَرٌ حِسانٌ مع سماعٍ شائقٍ في مشهدٍ إمتاعُهُ مُتَواصِلُ
من شاشةٍ تأتي بكل عجيبةٍ ألْهَمُّ للإنسان داءٌ قاتل
ماذا تقولُ وَهَلْ بهذا كلّه بأسٌ يَصُدُّكَ أو حِجابٌ حائلُ
قال صاحبه وكان قد تاب مما كان عليه:
إني أقولُ لَعَلَّ قلبكَ حاضرٌ أو ألْقِ سمعا لِلَّذي أنا قائلُ
هذا الذي زَيَّنْتَ لي أوصافهُ وتقولُ فيه لنا سرورٌ عاجل
هُوَ شُغْلُ قلبٍ فارغٍ مِمَّا لَهُ خُلِقَ العبادُ وأنتَ غِرٌّ جاهل
اسمعْ مقالة ناصح لك مُشْفِقٍ لا يُلْهِيَنَّكَ عن هُدَاكَ الباطل
إني علمتُ بأنَّ هذا كُلَّهُ داء القلوب وغمُّها المُتواصِلُ
لِلرُّوحِ يُسْكِرُ مثل سُكْر مَدَامَةٍ (١) لا تَسْتَفِيقُ وكل شر حاصل
_________________
(١) الخمر.
[ ٢٢ ]
إني علمتُ بأنَّ ربي سائلي عمَّا رأيتُ وكلُّ ما أنا فاعلُ
ماذا أقولُ إذا وقفتُ بِمَوْقِفٍ فيهِ الشَّفِيقَةُ عَنْ رَضيعٍ ذاهلُ
قَضَّيْتُ وقتي لاهِيًا بِمشاهِدٍ هِي فِتنةٌ ما اغْتَرَّ فيها عاقل
قَضَّيْتُ عمري بالغواية لاهيًا وبكل ما هو بالضلالة كافل
ماذا أقول إذ الجحيم تَسَعَّرتْ يا حسْرتا فالأمر حقًا هائل
والأرضُ رُجَّتْ والسماء تُشَقَّقَتْ والأمْرُ أصبحَ لَيْسَ فِيهِ تَحايُلُ
والمتقونَ بِرَوْضَةٍ في جَنَّةٍ فيها النَّعيمُ الدَّائمُ المُتَكامِلُ
والحورُ تُسْمِعُهُمْ بِصَوْتٍ ناعِمٍ ما لَذَّ للإسماعِ وَيْحَكَ غافِلُ
هذا النَّعيمُ وفوقهُ ما جَلَّ عَنْ دَرَكِ العقولِ وكُلِّ ما يُتَخَايَلُ
نَظَرُ العبادِ لِرَبِّهِمْ مِنْ فَوْقهمْ وكلامُهُ هذا النعيم الكامِلُ
إني علمتُ بأنَّ قلبي مَوْطنٌ لِلْحُبِّ فهو شفاء دائي الواغل
حُبُّ الجليلِ وَكُلُّ حُبٍّ قاطِعٍ عَنْهُ وَبَالُ أوْ حِجابٌ حائِلُ
أصلُ العبادةٍ لُبُّها هُوَ حُبُّهُ فَلَهُ البقاءُ وَكُلُّ حُبٍّ آفِلُ
إنَّ المُحِبَّ لِغيْرهِ مُتَعَلِّقٌ فيمَا يَضُرُّ وَهَمُّهُ مُتَوَاصِلُ
لا تُخْدَعَنَّ فما بِدُنْيانا سِوَى هَمٌّ وَغَمٌّ أوْ نعيمٌ عاجِلُ
حُبُّ الإلهِ نعمينا وَعَذابُنا في حُبِّ غيرِ الله وهوَ الباطِلُ
اقْدَحْ زِنادَ الْفِكْرِ تعلمُ أنَّما أحْبَبْتَ لولا الجهل شيءٌ عاطل
تَزْيينُ شَيْطانِ مُضِلٍ ماكِرٍ وهو العدوُّ وكيْدهُ مُتَوَاصِل
والآدَمِيُّ عُيُوبُهُ إنْ أُبْصِرَتْ بِالقَلبِ هانَ الحُبُّ أوْ هُوُ زائِلُ
قال ابنُ مسعودٍ مَقالًا صائبًا إفْهَمْهُ لا يَصْرَعْكَ سَهْمٌ قاتِلُ
[ ٢٣ ]
إنْ أعْجَبَتْكَ الْخَوْدُ (١) فاذكُرْ نَتْنَها لا تَسْبِينَّك فَهْيَ شيء نازِلُ
أما الغُلامُ إذا عَشِقْتَ فلا تلُمْ إِلاَّ هواكَ بكلِّ ما هوَ حاصل
سَمَّاهُمُ العقلاءُ أنتانًا فما تَطْلُبْهُ مِنْ حُسْنٍ فَقُبْحٌ سافِلُ
هذي الشرورُ وغيرُها مِفْتاحُها حُبُّ الغناء وكُلُّ ما هُوَ باطل
صَوْتُ المغنِّي والمعازفُ كلها وكذا المشاهدُ كُلُّ ذاكَ حَبائل (٢)
تَجِدُ الْعَفِيفَ إذَا حَوَتْهُ شِبَاكُها أَلِفَ الفجورَ ولِلْعَفافِ يُزَايلُ
هذا الذي حَسَّنْتَ لي أوْصَافهُ وتقولُ فيهِ لنا سرورٌ عاجل
هذا جَوابي إنِّما لَكَ صُغْتُهُ فاقْبَلْ لِنُصْحي فِعْل مَنْ هوَ عاقل
ماذا تقولُ وما عَسَاكَ تَظُّنني أرْجو بِنُصْحِكَ غَيْرَ ما هو فاضل
بعد ذلك قال الشاب الأول وقد تَبَيَّنَ له الحق وانقشعتْ عن قلبه غشاوة الباطل:
إني أقولُ لَقَدْ صَدقتَ وَكلَّما قَدْ قلتَهُ فَهْوَ الطريق العادِلُ
يا صاحبي قَدْ كُنْت عَنْ ذا غافِلًا أيْقَظْتَني إني لِنُصْحِكَ قابِلُ
ضيَّعتُ عمري والمصيبةُ أنني أدْري بِأنَّ العُمْرَ ظِلٌّ زائِلُ
_________________
(١) قال ابن مسعود: (إذا أعجبت أحدكم امرأة فليذكر مناتنها) ذكره ابن القيم في (روضة المحبين) والخود هي: الشابة الناعمة، والمراد ألاّ تكون المرأة صنمًا يعكف عليه القلب فيحجبه ويصرفه عن معبوده الحق.
(٢) فخوخ.
[ ٢٤ ]
تَالله قَدْ كُنَّا بِلَيْلٍ مُوحِشٍ والآنَ بَانَ لِيَ الضِّياءَ الكامِلُ
وعَلِمْتُ أنَّ عَدُوَّنا قَدْ غَرَّنا بِزَخَارِفِ الأقوالِ صار يُجادِل
لا بَأسَ في هذا وهذا جائزٌ هذا مُفِيدٌ لا يَضُرُّ الفاعِلُ
حتى ولجنا في ظلامٍ حالِكٍ قَدْ كُنْتُ أحْسِبُ أنَّه مُتَضَائِلُ
ما ضَرَّنا إلا الذين تساهلوا فَتَحُوا لَنَا الأبوابَ وَهْيَ حَوَائِلُ
وَرَسُولُنا قد قال نهييَ جَنِّبوا والأمرُ فَأْتوا ما استطاعَ العامِلُ
رُحْماك ربي أنتَ أرحم راحمٍ ما خابَ عبدٌ جاء بابكَ سائل
[ ٢٥ ]