في كتاب (الزهد) لابن المبارك (١) ﵀ قصة طائر وقع بالقرب من نبي الله عيسى بن مريم ﵇ وعنده الحواريين فيها مثال حي وعِبْرة ناطقة من تأملها انكشف له سر العبودية بسهولة فيعمل أعماله على مقتضى هذا الشهود الذي من أجَلّ ثماره سقوط الإعجاب بالنفس والعمل، ومعرفة حكمة التشريع التي ضَلّ عن معرفتها كثير من الخلق، والقصة هي: بينما المسيح في رهْط من الحواريين بين نهر جارٍ وحَيّةٍِ مُنْتِنة اقبل طائر حَسَنَ اللون يتلوّن كأنما هو الذهب فوقع قريبًا فانتفض فسلخ عنه مِسْكَه (٢) فإذا هو أقبح شيء، أقَيْرِع أحَيْمر.
_________________
(١) ص٤٥.
(٢) ريشه الذي يغطي جلده.
[ ٢٦ ]
"وفي الحلية" فخلع مسْلاخه فخرج أقرع أحمر كأقبح ما يكون فأتى بركة فتلوث في حمأتها فخرج أسود قبيحًا.
فاستقبل جرية الماء فاغتسل ثم عاد إلى مسلاخه فلبسه فعاد إليه حُسْنه وجماله حين رجع إلى مسْكه فتدرّعه كما كان أول مَرَّة.
فكذلك عامل الخطيئة حين يخرج من دينه ويكون في الخطايا، وكذلك مثل التوبة كمثل اغتساله من النتن في النهر الضحضاح ثم راجع دينه حين تدرّع مسْكه، وتلك الأمثال.
وفي الحلية: فقال عيسى ﵇: إن هذا بُعِثَ لكم آية، إن مثل هذا كمثل المؤمن إذا تَلَوّث في الذنوب والخطايا نُزِع منه حسْنه وجماله وإذا تاب إلى الله عاد إليه حسنه وجماله. انتهى.
من عرف هذا عَلِمَ أن تأثير الحسنات والسيئات على
[ ٢٧ ]
الروح مباشرة فأثر الحسنات حُسْنًا وجمالًا وكمالًا ونورًا وعكس ذلك أثر السيئات.
إن هذا حاصل في الدنيا مَوْضع الإعداد وتيسير كل مخلوق لِما خلق له، ويتجلى ذلك ظاهرًا بيّنًا في القيامة قال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ. ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ (١) هذا أثر الحسنات، وقال تعالى: ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ • تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ﴾ (٢) هذا أثر السيئات، وفي مواضع من القرآن بيّن الله ذلك غاية البيان، مثل قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ﴾ (٣) وقوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾ (٤) وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ﴾ (٥) هذا وغيره من القرآن وكلام الرسول يبين
_________________
(١) سورة عبس، الآيتان: ٣٨، ٣٩.
(٢) سورة عبس، الآيتان: ٤٠، ٤١.
(٣) سورة الغاشية، الآية: ٨.
(٤) سورة القيامة، الآية: ٢٢.
(٥) سورة آل عمران، الآية: ١٠٦.
[ ٢٨ ]
أثر الحسنات، ومقابلة وضدّه أثر السيئات مثل قوله تعالى: ﴿كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِما﴾ (١) وقوله تعالى: ﴿وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ (٢) وقوله تعالى: ﴿وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّة﴾ (٣) وقوله تعالى: ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ﴾ (٤).
وهذه الآثار هي حاصلة وُجودًا في الدنيا، ومن هنا جاء وصف رائحة روح المؤمن ونورها عند الموت وضدّ ذلك الكافر والفاجر، فالرائحة الطيبة طبيعية لروح المؤمن كالنور والجمال كل ذلك خِلْقة ملازمة وبضد ذلك الكافر والفاجر.
ومن هنا يظهر سِرّ التعبّد للإله الحق سبحانه وحكمة
_________________
(١) سورة يونس، الآية: ٢٧.
(٢) سورة آل عمران، الآية: ١٠٦.
(٣) سورة الزمر، الآية: ٦٠.
(٤) سورة القيامة، الآية: آية: ٢٤.
[ ٢٩ ]
العبادة.
ولنرجع الآن إلى الطائر فهو حين أقبل حَسَن اللون جميل المنظر يتلوّن كأنما هو الذهب، وهكذا الفطرة الأولى والْخِلقة الأولى للإنسان في الغاية من الحُسن والكمال وهذه الخلقة تكملها الشِّرعة نور على نور وجمال على جمال وكمال على كمال.
ثم إن الطائر سلخ جماله فصار كأقبح شيء منظرًا أقيرع أحيمر، ومع هذا المنظر أتى إلى بركة فيها حمأة مُنْتنة فتلوّث في حَمْأتها فخرج أسود قبيحًا.
فكذلك الإنسان تمامًا إذا كفر أو فسق فإنه ينخلع عنه ما وَهَبه بارؤه سبحانه من جمال الخِلقة الأولى والشرعة المكمِّلة كحال هذا الطائر في تغيّر حاله، قال تعالى: ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْر﴾ (١) وقال تعالى:
_________________
(١) سورة الأعراف، الآية: ٢٦.
[ ٣٠ ]
﴿وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (١) وقال تعالى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لا يَسْتَوُونَ﴾ (٢) أعلم أنهم لا يستوون لا في الدنيا ولا في القبر ولا في القيامة، وذلك على مقتضى ما تقدم بيانه، وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (٣) إنه بانحطاط العبد في الذنوب والمعاصي يباشره التغيير إلى قبح وعكس ذلك بتوبته وإقباله على طاعة ربه يكون التغيير. قال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ (٤).
_________________
(١) سورة البقرة، الآية: ٢١١.
(٢) سورة السجدة، الآية: ١٨.
(٣) سورة الرعد، الآية: ١١.
(٤) سورة الجاثية، الآية: ٢١.
[ ٣١ ]
ثم إن الطائر استقبل جِرْية ماء النهر فاغتسل ثم عاد إلى مسلاخه الذي قد خلع فلبسه فعاد إليه حسنه وجماله باطنًا وظاهرًا.
كل جُمَل هذا المثل مطابقة تمامًا لحال الإنسان ولذلك قال في وصْف الحالتين:
فكذلك عامل الخطيئة حين يخرج من دينه ويكون في الخطايا. وكذلك مثل التوبة كمثل اغتساله من النّتَن في النهر الضحضاح ثم رَاجَعَ دينه حين تَدَرّعَ مِسْكه. وانظر قوله: (كمثل اغتساله من النّتَن).
يظهر لك أن رائحة روح الكافر والفاجر منتنة طبيعة ملازمة بسبب العمل بمعاصي الرحمن والقرب من الشيطان كل بحسبه وضدّ ذلك المؤمن، وكذلك الصورة إما قبيحة موحشة مظلمة أو جميلة بهيّة.
[ ٣٢ ]