الرابع: معرفة المحبوب الحق وما يتصف به من صفات الكمال والجمال والجلال.
ويكفي في هذا أن أهل الجنة بعد ما يباشرون نعيمها الذي هو فوق الوصف إذا رأوا ربّهم وسمعوا كلامه وَدُّوا ألاَّ يعودوا إلى نعيمهم فيها وأن يدوم لهم قُرْب محبوبهم ورؤية وجهه الكريم وسماع كلامه حيث أن هذا متعلق القلب الحقيقي الذي لذته فيه أعظم من لذة النعيم المخلوق في الجنة فضلًا عن محبوبات الدنيا ونعيمها، لكن لابد من التّخْلية قبل التحْلية فتفريغ القلب من المحبوبات المتصوَّرة المتخيَّلة المنقوشة صورها في القلب لابد منه لتبقى المحبة الحقيقية بلا مُزَاحم بانجلاء هذه الحجب الكثيفة، لِتُفْضي المحبة للمحبوب الحق، وتأمل هذه
[ ٨ ]
الأبيات التي تبين خلوص الود للمحبوب الحق ونسخ محبة كل من سواه من القلب:
لقد كان يَسْبي القلب في كلِّ ليلةٍ ثمانونَ بل تسعونَ نفسًا وأرْجَحُ
يهيمُ بهذا ثم يألَفُ غيرَهُ ويَسْلوهموا من فَوْرهِ حين يُصبح
وقد كان قلبي ضائعًا قبل حُبكمْ فكان بحب الخلق يَلْهُو ويمرح
فلما دعا قلبي هواك أجابَهُ فلستُ أراهُ عن خبائك يبرح
حُرِمْتُ منائي منكَ إن كنتُ كاذبًا وإن كنتُ في الدنيا بغيركَ أفرح
وإن كان شيء في الوجود سواكموا يُسَرُّ به القلب الجريح ويفرح
إذا لعبت أيدي الهوى بمحبكم فليس له عن بابكم متزحزح
فإن أدركته غُرْبْةٌ عن دياركمْ فحبكموا بين الحشا ليس يبرح
وكمْ مُشْتَرٍ في الخلق قدْ سَام قلبَهُ فلم يَرَهُ إلا لحبكَ يصْلُحُ
هوى غيركم نار تلظَّى ومحبسٌ وحبكموا الفردوسُ بل هو أفسح
فيا ضَيْم قلبٍ قدْ تعلَّق غيركمْ ويا رحمة مما يجول ويكدح
إذا تبيّن هذا فعلى المعشوق أيضًا الموهوب مسحة من جمال ووضاءة ألاَّ ينخدع ويغتر بنفسه ويغرَّ غيره وأن يتفكر في حاضر حاله ومستقبله ولا يتصنع لعاشقه رِضىً
[ ٩ ]
بما يصنع فإنه يشاركه في الإثم والانقطاع عن الله. (١)
أما حب الرجل لزوجته فمحمود مالم يتعد الحدود: ﴿وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾. (٢)
_________________
(١) كتاب (أحداث صحبة الأحداث) فيه بيان هذه الأمور.
(٢) سورة الروم، الآية: ٢١.
[ ١٠ ]