ويؤكد سيد قطب﵀- على هذا المعنى عند تفسير قوله تعالى: "إِنَّ اللهَ يَأمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الأمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا" [النساء: ٥٨]، فيقول:
ومن هذه الأمانات: أمانة الشهادة لهذا الدين .. الشهادة له في النفس أولا بمجاهدة النفس حتى تكون ترجمة له .. ترجمة حية في شعورها وسلوكها، حتى يرى الناس صورة الإيمان وأحسنه وأزكاه؛ وهو يصوغ نفوس أصحابه على هذا المثال من الخلق والكمال؛ فتكون هذه شهادة لهذا الدين في النفس يتأثر بها الآخرون.
والشهادة له بدعوة الناس إليه، وبيان فضله ومزيته- بعد تمثل هذا الفضل والمزية في نفس الداعية- فما يكفي أن يؤدي المؤمن الشهادة للإيمان في ذات نفسه، إذا هو لم يدع إليها الناس كذلك، وما يكون قد أدى أمانة الدعوة والتبليغ والبيان، وهي إحدى الأمانات.
ثم الشهادة لهذا الدين بمحاولة إقراره في الأرض؛ منهجًا للجماعة المؤمنة، ومنهجا للبشرية جمعاء .. المحاولة بكل ما يملك الفرد من وسيلة، وبكل ما تملك الجماعة من وسيلة. فإقرار هذا المنهج في حياة البشر هي كبرى الأمانات؛ بعد الإيمان الذاتي، ولا يعفى من هذه الأمانة الأخيرة فرد ولا جماعة .. ومن ثم فالجهاد ماض إلى يوم القيامة على هذا الأساس .. أداء لإحدى الأمانات (١) ..
* * *
_________________
(١) في ظلال القرآن ٢/ ٦٨٨.
[ ٣٠ ]