فإن قلت: ولكني ضعيف لا أصلح لما قصدت، ذكَّرتك بما تضمنته الصفحات السابقة بأن الأمر كله لله، وأن القوة والقدرة والعلم والإحاطة والخلق والإمداد والتدبير بيده سبحانه، وكل ما يريده منا هو صدق العزم على تغيير أنفسنا، وتغيير أمتنا إلى الوضع الذي يرضيه.
ويؤكد ابن عطاء في حِكَمه المشهورة على هذا المعنى فيقول: «من استغرب أن ينقذه الله من شهوته، وأن يخرجه من وجود غفلته فقد استعجز القدرة الإلهية ﴿وَكَانَ اللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِرًا﴾ [الكهف: ٤٥].
ويعلق ابن عباد النفري على هذه الحكمة فيقول: ومن أغرب ما رأيته في هذا المعنى ما رواه عبد الصمد بن مغفل عن عمه وهب بن منبه أن رجلًا قتل نفسا فجاء إلى سائح من سائحي بني إسرائيل فسأله عن ذلك وهل له توبة؟ فرفع له السائح من الأرض عرجونا (١) أبيض قديما حائلا، ثم قال له: إذا اخضر هذا العرجون قُبلت توبتك، وأراد السائح بذلك أن يؤيسه من التوبة لعظم ذنبه.
فأخذ الرجل العرجون وهو يطمع في التوبة ويعزم، فتاب وجعل يعبد الله زمانا ويدعو حتى اخضر ذلك العرجون بإذن الله وقدرته (٢).
فالأمر- إذن- عندي وعندك، فالله ﷿ يريد منا الحرص والتصميم والعزم الأكيد أن نكون من هؤلاء الرجال أن نكون ربانيين، متواضعين، وأن نكون على استعداد لبذل كل ما نملك من أجل تبليغ دعوته، وتغيير وضع الأمة البائس، فإن رأى- سبحانه- منا ذلك، فيقينًا سيفتح لنا من خزائنه ما يصل بنا إلى ما عزمنا عليه؛ ألم يقل سبحانه: ﴿فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا - وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [الفتح: ١٨، ١٩].
واعلم- أخي- بأن الحرص والتصميم والعزم الأكيد يمكن أن يتوافر في أي شخص- إن أراد- بغض النظر عن عمره، أو جنسه، أو صحته، أو جاهه، أو مقدار ما يمتلك .. معنى ذلك أن قولك بأنك ضعيف وظروفك الحياتية متشابكة، ليس له أي علاقة بما نتحدث عنه، فكل ما هو مطلوب مني ومنك تصميم جازم وعزيمة وقَّادة تهيمن علينا، وهذا في متناول أيدينا جميعًا إن أردنا.