إذن فالبداية منك أيها الإنسان .. لا تلم أحدًا على تقصيرك .. على مستواك .. على عدم نجاحك .. فالإمداد على قدر الاستعداد، فمن يرد شيئًا ويصمم على بلوغه يصل إليه .. لا، لا، بل يوصله الله إليه ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَن نُّرِيدُ﴾ [الإسراء: ١٨].ويؤكد على هذا المعني قوله ﷺ: «.. ومن يتحر الخير يُعطه، ومن يتق الشر يُوَقَّه» .. والمتأمل للحديث من أوله يجده يدور في نفس المعنى (إنما العلم بالتعلم، وإنما الحلم بالتحلم، ومن يتحر الخير يُعطه، ومن يتق الشر يُوَقَّهَ) (١).
فالتاء هنا للطلب- كما أسلفنا- أي أن الذي يريد العلم عليه أن يطلب ذلك، ويعزم عليه فُيعلِّمه الله، والذي يريد الحلم عليه أن يعزم عزيمة صادقة على بلوغه، فيرزقه الله الحلم، وهكذا في كل الأمور مثل العفة والصبر .. ففي الحديث «ومن يستعفف يعفه الله، ومن يستغن يغنه الله، ومن يتصبر يصبره الله ..» (٢).
فلو أراد (متخاصمان) الصلح بصدق وعزما على ذلك، أصلحهما الله ﴿إِن يُّرِيدَا إِصْلاَحًا يُوَفِّقِ اللهُ بَيْنَهُمَا﴾ [النساء: ٣٥].
ومَن يُرد الهداية بصدق يهده الله ﴿فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا﴾ [الجن: ١٤].
والذي لا يريد الهداية لا يهديه الله ﴿فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللهُ﴾ [التغابن: ٦].
﴿كَيْفَ يَهْدِي اللهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ [آل عمران: ٨٦].
_________________
(١) حسن، أخرجه الخطيب البغدادي عن أبي الدرداء وحسنة الألباني في صحيح الجامع (٢٣٢٨) والسلسلة الصحيحة (٣٤٢).
(٢) متفق عليه، البخاري (٦٤٧٠)، مسلم (١٠٥٣).
[ ١٣ ]
والذي يريد أن يدعو الناس إلى الله ويحببهم فيه، عليه أن يعزم عزيمة صادقة ويشتد حرصه على ذلك .. جاء في الأثر: لما أهبط الله آدم إلى الأرض قال له: يا آدم أحبني، وحببني إلى خلقي، ولا تستطيع ذلك إلا بي، ولكن إذا رأيتك حريصًا على ذلك أعنتك عليه (١).
والذي استدان من شخص (ما) مبلغا من المال، وهو في قرارة نفسه ينوي بصدق ويعزم على أدائه، رزقه الله ما يسد به دينه، كما في الحديث «من كان عليه دين ينوي أداءه كان معه من الله عون، وسبَّب الله له رزقا» (٢).