إن المرحلة التي تعيشها أمتنا اليوم تتشابه إلى حد كبير بمرحلة التيه التي عاشها بنو إسرائيل بعد رفضهم دخول الأرض المقدسة.
فبعد أن نجى الله ﷿ موسى ﵇ وقومه، وأغرق فرعون وجنده، سار موسى ﵇ ببني إسرائيل متوجها نحو الأرض المقدسة، وطلب منهم أن يدخلوها معه، فلما علموا أن فيها قوما أشداء خافوا من مواجهتهم ورفضوا الدخول، وقالوا لموسى ﵇: ﴿إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَدًا مَّا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة: ٢٤].
فكان العقاب الإلهي بأن يتيهوا في الأرض أربعين سنة وجاء الحكم الصارم: ﴿قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ﴾ [المائدة: ٢٦]، وظل بنو إسرائيل خلال هذه المدة يبحثون عن مخرج من التيه، وكلما توهموا مخرجا اندفعوا إليه، وبذلوا فيه جهدهم، ليفاجأوا بعد ذلك أنه ليس سوى سراب.
[ ٣٣ ]
وخلال مدة التيه مات موسى وهارون عليهما الصلاة والسلام وتولى حكم بني إسرائيل من بعد موسي ﵇ فتاه يوشع بن نون، وانقضت السنوات الأربعون، وأراد يوشع بن نون أن يحارب الجبارين، ويدخل الأرض المقدسة، لكن ما فعله الجيل الجبان مع موسي ﵇ لم يكن ليبرح مخيلته، لذلك فقد وضع شروطا قاسية لمن يريد الخروج معه، فقال لقومه كما جاء في الصحيحين: «لا يتبعني رجل ملك بضع امرأة وهو يريد أن يبني بها ولم يبن، ولا آخر قد بنى بنيانا ولم يرفع سقفها، ولا آخر قد اشترى غنما أو خَلفَات، وهو ينتظر ولادها».
فهنا نجد أن يوشع بن نون ﵇ قد شخَّص السبب الرئيس الذي من أجله رفضت بنو إسرائيل دخول الأرض المقدسة مع موسي ﵇ ألا وهو حب الدنيا والتعلق بها، لذلك اشترط على من يريد الخروج معه عدم انشغال البال أو تعلق القلب بشيء من الدنيا، لأنه لو تساهل في هذه الأمر لخرج معه من تشعبت همومه وخواطره في أودية الدنيا، فيصبح كل ما يتمناه ألا يصاب بمكروه، وأن يعود سالما حتى يستكمل مسيرته الدنيوية كما تطمح نفسه.
وما أدق ما قاله الإمام النووي في تعليقه على هذا الحديث وما يستفاد منه:
بأن الأمور المهمة ينبغي ألا تُفَوَّص إلا إلى أولى العزم وفراغ البال، ولا تُفوَّض إلى متعلق القلب بغيرها، لأن ذلك يُضعف عزمه، ويفوت كمال بذل وسعه فيه (١).
ونحن إذ نعيش في أجواء التيه المعنوي، ونريد الخروج منها نحتاج إلى رجال من أولى العزم، وتوهج الإيمان.
فهل يا أخي سنكون من هؤلاء؟!
هل سنكون ممن يوحد همه، ويجعله في مرضاة الله ﷿، وحمل همّ هذا الدين، وإيقاظ الأمة؟! أم سنترك أنفسنا لتتنازعها زخارف الدنيا، وهي لا تنفك عن الهموم والمتاعب؟!
أَبشِرْ ثم أَبشِرْ ..
وعليك أن تتذكر- يا أخي- أننا إن صدقنا مع الله ﷿، فإنه سبحانه سيتولى جميع أمورنا ﴿وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٦]، ولك أن تقرأ هذا الحديث النبوي لتزداد بهذا المعنى يقينا .. قال ﷺ: «تفرغوا من هموم الدنيا ما استطعتم، فإنه من كانت الدنيا أكبر همه أفشى الله ضيعته، وجعل فقره بين عينيه (٢)، ومن كانت الآخرة أكبر همه جمع الله له أمره، وجعل غناه في قلبه، وما أقبل عبد بقلبه إلى الله تعالى إلا جعل قلوب المؤمنين تفد إليه بالود والرحمة، وكان الله بكل خير إليه أسرع» (٣).
ويقول بديع الزمان النورسي وهو يعيش في حالة من الامتنان لربه: لقد شهدنا بأم أعيننا دون مبالغة الكثير من آثار الإكرام الإلهي، والعناية الربانية زهاء ست سنوات من سير خدمتنا للقرآن الكريم، إننا نُربَّى بشفقة ورأفة، وتجري معيشتنا بعناية بحيث يحسن إلينا صاحب العناية الذي يستخدمنا في هذه الخدمة بما يحقق أصغر رغبة من رغبات قلوبنا، وينعم بها علينا من حيث لا نحتسب (٤).
فماذا تريد- أخي- بعد هذا؟