ومن أهم وسائل إبقاء العزائم مشتعلة هو الاستثارة الدائمة لمشاعر الخوف والقلق، والشعور بالخطر، فكما قال ﷺ: «من خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل » (٢).
فمن خاف من شيء أدلج، أي سار بالليل ولم ينتظر الصباح؛ لأن شعوره بالخطر وقلقه مما هو آت لا يجعله يهنأ براحة، فعلى قدر القلق، والشعور بالخطر من شيء (ما) يكون التشمير والعمل لتبديد هذا القلق ودفع هذا الخطر، ولو استدعى ذلك عدم النوم بالليل، والتضحية بوقت الراحة والاسترخاء.
وعلى سبيل المثال: لو أن رجلا يجلس بين زوجته وأولاده يتناولون الطعام، فشاهدوا نارًا تشتعل في منزلٍ غير بعيد عنهم، فماذا سيكون رد فعلهم؟! .. سينتابهم القلق، ويتحفزون للمقاومة والعمل -ولكن- مع استمرارهم في تناول الطعام، فإذا وصلت النار إلى جيرانهم ازدادوا قلقًا، وتركوا طعامهم، فإذا وصلت إلى بيتهم انطلقوا في قوة خارقة لإطفاء النار ..
من هنا نقول بأن تزكية الشعور بالخطر هو الذي سيغذي- بعون الله- العزائم ويبقيها في حالة من الاشتعال والتوقد.
فالشعور بالخطر ومواجهته- كما يقول سيد قطب- يستثير كوامن النفس، وطاقات العقل، ويشد العضل، ويُدرب الطاقات البشرية على العمل، ويشحذها للتلبية والاستجابة (٣).
_________________
(١) مجموعة رسائل الإمام الشهيد حسن البنا، رسالة إلى أي شيء ندعو الناس ص ٣٧.
(٢) صحيح، أورده الألباني في صحيح الجامع الصغير ح (٦٢٢٢)، والسلسلة الصحيحة ح (٢٣٣٥).
(٣) في ظلال القرآن لسيد قطب ٣/ ١٦٩٥.
[ ٢٤ ]
إن استنفار أقصى ما يملكه الإنسان من إمكانات وطاقات لابد وأن يمر من طريق القلق والشعور بالخطر، ولقد فهم أعداؤنا هذا الأمر جيدا، لذلك نجد أنهم بعد انهيار المعسكر الاشتراكي في ثمانينات القرن العشرين الميلادي، والذي كان وجوده يُشعر الغرب بالخطر، ويحرك العزائم، ويستفز العقول لإنتاج كل ما هو جديد في مراكز البحث العلمي وغيرها، قد اجتهدوا في إبراز (ضحية) جديدة توضع في (مقام العدو) حتى يستشعروا دوما بأن هناك خطرًا ماثلًا أمامهم، وكانت الضحية هذه المرة هي الإسلام، كما أعلنوا ذلك أكثر من مرة على لسان قادتهم في حلف الأطلنطي وغيره.