والمتأمل لسير الرسل والأنبياء- عليهم الصلاة والسلام- وهم أكمل البشر، نجد أنهم كانوا يعيشون في حقيقة عجزهم وفقرهم الذاتي والمطلق لله ﷿، فهذا شعيب﵇- يقر بها عندما يخيره قومه بين العودة إلى ملتهم أو إخراجه ومن معه من قريتهم، فيرد عليهم قائلًا: ﴿أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ - قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَن نَّعُودَ فِيهَا إِلاَّ أَن يَشَاءَ اللهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الأعراف: ٨٨، ٨٩].
وبمثل هذا أجاب إبراهيم﵇- قومه في حواره معهم: ﴿وَلاَ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلاَّ أَن يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ﴾
[الأنعام: ٨٠].
وكذلك كان حال موسى﵇- عندما أخذته ومن معه الرجفة ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِّمِيقَاتِنَا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُم مِّن قَبْلُ وَإِيَّايَ﴾ [الأعراف: ١٥٥].
وكان رسولنا محمد ﷺ يعيش بكيانه كلّه في هذه الحقيقة .. فهذا عبد الله بن حوالة الأزدي ﵁ يقول: بعثنا رسول الله ﷺ لنغنم على أقدامنا فرجعنا فلم نغنم شيئًا، وعرف الجهد في وجوهنا، فقام فينا فقال:
«اللهم لا تكلهم إلىَّ فأضعف عنهم، ولا تكلهم إلى أنفسهم فيعجزوا عنها، ولا تكلهم إلى الناس فيستأثروا عليهم» (١).