لقد هاجر المسلمون الأوائل من مكة إلى المدينة تاركين ديارهم وأموالهم وأقاربهم وذكرياتهم، وتاركين الكعبة والبلد الحرام .. تركوا هذا كله، وذهبوا إلى المجهول في يثرب .. منهم الرجل والمرأة، والشاب، والشيخ الكبير
فعلوا هذا الفعل العجيب من أجل إرضاء الله ﷿ ونصرة دينه.
_________________
(١) صحيح مسلم بشرح النووي ١٢/ ١٧٩ - دار المعرفة بيروت.
(٢) معنى أفشى الله ضيعته، وجعل فقره بين عينيه: أي شعب همومه، وجعله دوما يخشى الفقر وإن امتلك الكثير من المال.
(٣) رواه الطبراني.
(٤) المكتوبات ص ٤٨٥.
[ ٣٤ ]
هاجروا وهم لا يعلمون ماذا سيحدث لهم بعد ذلك؟ هل سيجدون لهم مأوى؟ هل سيعيشون آمنين؟ هل سيجدون ما يأكلونه ويعيشون منه؟ هل .. هل، لكنهم هاجروا ونُصب أعينهم ابتغاء رضوان الله ﷿، والانتصار له سبحانه ولرسوله وكانوا صادقين في هذا ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحشر: ٨]، فأصبحوا خلال سنوات معدودة سادة الدنيا، وأوفى الله بعهده معهم ومكنهم في الأرض ﴿وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللهِ﴾ [التوبة: ١١١].
ونحن في هذه المرحلة الدقيقة التي تمر بها أمتنا نحتاج إلى هجرة أخرى، ولكنها من نوع خاص ..
نحتاج إلى هجرة معنوية من هموم الدنيا، إلى همٍّ واحد هو العمل على رضا الله ونصرة دينه.
هجرة من طموحات الطين إلى طموحات الدين.
إنها هجرة عظيمة تحتاج إلى قرار وعزم وتصميم.
هجرة لابد منها إن أردنا أن نكون من الجيل الذي يستخدمه الله ﷿ لإيقاظ الأمة وإنقاذ البشرية، بعد أن تفيض عليه السعادة في ذات نفسه.