هذه الحقيقة كانت تهيمن على رسول الله ^ في كل أموره وأحواله، وكانت تصبغ كلماته وتوجيهاته لأصحابه ولأمته من بعده.
فكان ﷺ إذا غزا قال: «اللهم أنت عضدي، وأنت نصيري، بك أحول، وبك أصول، وبك أقاتل» (١).
وكان يقول: «إنما أنا مبلغ والله يهدي، وإنما أنا قاسم، والله يُعطي» (٢).
ويقول: «ما أوتيكم من شيء، ولا أمنعكموه، إن أنا إلا خازن أضع حيث أُمرت» (٣).
_________________
(١) صحيح، رواه أبو داود والترمذي، وصححه الألباني في صحيح الجامع، ح (٤٧٥٧).
(٢) صحيح، رواه الطبراني، وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير، برقم (٢٣٤٧).
(٣) صحيح، رواه الإمام أحمد أبو داود، وصححه الألباني في صحيح الجامع برقم (٥٥٦٦).
[ ٨ ]
وعندما قال له البعض: يا رسول الله غلا السِّعر، فَسَعِّر لنا، فقال: «إن الله تعالى الخالق، القابض، الباسط، الرزاق، المُسَعِّرُ ..» (١).
فإذا ما نظرنا لجيل الصحابة- رضوان الله عليهم- نجد أن هذا المعني كان حاضرا في حياتهم بشكل أساسي، فهذا أنس بن النضر ﵁ يقول لرسول الله ﷺ بعد غزوة بدر: يا رسول الله، غبت عن أول قتال قاتلته المشركين، لئن أشهدني الله قتال المشركين، ليرىن الله ما أصنع» (٢)
وهذا الطفيل بن عمرو الدوسي وهو يقص على من حوله قصة إسلامه، وكيف أنه بعد أن ذهب إلى مكة وحذره المشركون من سماع محمد ﷺ حتى لا يفتنه، ويسحره بكلامه، فيقول: فوالله ما زالوا يحدثوني في شأنه، وينهوني عن أن أسمع منه، حتى قلت: والله لا أدخل المسجد إلا وأنا ساد أذني.
قال: فعمدت إلى أذني فحشوتها كرسفا- أي قطنا- ثم غدوت إلى المسجد، فإذا برسول الله ﷺ قائمًا في المسجد، فقمت قريبا منه، وأبى الله إلا أن يسمعني بعض قوله (٣)
وعندما خرج عبد الله بن عتيك في سرية مع بعض الصحابة لقتل اليهودي
أبي رافع- سلام بن أبي الحقيق- في حصن خيبر، ودخل ابن عتيك الحصن، ووصل إلى أبي رافع وقتله، ثم عاد إلى أصحابه يبشرهم، ويحثهم على سرعة الخروج من المكان إذا به يقول لهم: النجاء، فقد قتل الله أبا رافع (٤).
وهذه زنيرة الرومية يعذبها أبو جهل وعمر بن الخطاب- قبل إسلامه- حتى فقدت بصرها، فقال لها أبو جهل: إن اللات والعزى هما اللذان أذهبا بصرك، فماذا قالت له وهي في هذه الحال الصعبة التي قد تفتن أقوى الأنفس؟؟
قالت: «وما تدري اللات والعزي من يعبدها، ولكن هذا أمر من السماء، وربي قادر على أن يرد بصري» وبالفعل رد الله بصرها، فقالا: لقد سحرها محمد.
وهذه حفصة ﵂ تقول: سمعت عمر بن الخطاب ﵁ يقول: «اللهم قتلًا في سبيلك ووفاة ببلد نبيك ﷺ» قالت: فقلت: وأنَّي يكون هذا؟! قال: يأتي به الله إذا شاء (٥).