ليس معنى أن الله ﷿ هو الذي يبث الفاعلية في الأسباب، وأنها لا قيمة لها بدون إمداده أن نترك الأخذ بالأسباب، ونتجه مباشرة إلى الله ﷿ من أجل الحصول على النتائج، فهذا لا يجوز ولا يصح، لأنه- سبحانه- لو أراد منا ذلك ما خلق الأسباب، وما أمرنا بالأخذ بها، ولئن كانت الأسباب لا قيمة لها بدون الله، إلا أنها تُعد بمثابة الستار الذي يتنزل عليه أمر الله وقدره، وعلى المسلم أن يقيم هذا الستار بالقدر المتيسر والمتاح أمامه.
ومع أخذ المسلم بالأسباب، وإقامته لهذا الستار إلا أنه لا ينبغي عليه الركون إليها، أو الاعتماد عليها في حصول النتائج، وإلا تحول هذا الستار إلى جدار يحجبه عن الله.
انظر إليه ﷺ وهو يوجه صاحب الناقة إلى ربطها -كسبب لعدم شرودها- ويوجهه كذلك إلى التوكل على الله في إنجاح هذا السبب فقال له: «اعقلها وتوكل» (٦).
وتأمل ما حدث للصحابة وقد نفد ماؤهم وأرادوا الوضوء والشرب فذهبوا إلى رسول الله ﷺ يخبرونه بذلك .. فماذا فعل ﵊؟
_________________
(١) صحيح رواه الإمام أحمد والترمذي وأبو داود، وأورده الألباني في صحيح الجامع الصغير ح (١٨٤٦).
(٢) أخرجه البخاري.
(٣) المعجزة القرآنية لمحمد حسن هيتو ص٤٠ نقلا عن سير أعلام النبلاء.
(٤) السيرة النبوية لعلي الصلابي ٢/ ٤١٨.
(٥) حياة الصحابة ١/ ٣٨٨، ٣٨٩.
(٦) حسن، رواه الترمذي عن أنس، وأورده الألباني في صحيح الجامع ح (١٠٦٨).
[ ٩ ]
طلب منهم إحضار ما تبقى عندهم من ماء، ثم وضع فيه أصابعه الشريفة، فنبع من بينها الماء ليشرب الجميع ويتوضأ (١).
فهنا استنفد ﷺ الأسباب الموجودة، وشكَّل الماءُ القليل «الستار» الذي تنزّل من خلاله المدد الإلهي.
فعلينا- إذن- أن نجتهد في الأخذ بالأسباب المتاحة أمامنا، مع يقيننا بأنها لا تفعل شيئًا بذاتها، فالفاعل هو الله، وإنما نأخذ بها لأننا مأمورون بذلك.