(تَنْبِيهٌ)
قِيلَ وَإِنَّ أَوَّلَ مَنْ نَطَقَ بِالشِّعْرِ آدَم - ﵇ - كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ جَرِيرِ الطَّبَرِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ عَنْ عَلِيٍّ - ﵁ -، قَالَ لَمَّا قَتَلَ قَابِيلُ أَخَاهُ هَابِيلَ بَكَى آدَم - ﵇ - وَجَزِعَ وَأَسِفَ عَلَى فَقْدِهِ، وَرَثَاهُ بِشِعْرٍ يُعْزَى إلَيْهِ، وَهُوَ هَذَا الشِّعْرُ فَقَالَ:
تَغَيَّرَتْ الْبِلَادُ وَمَنْ عَلَيْهَا وَوَجْهُ الْأَرْضِ مُغْبَرٌ قَبِيحُ
تَغَيَّرَ كُلُّ ذِي طَعْمٍ وَلَوْنٍ وَقَلَّ بَشَاشَةُ الْوَجْهِ الصُّبَيْحِ
وَبُدِّلَ أَهْلُهَا أَثْلًا وَخَمْطًا بِجَنَّاتٍ مِنْ الْفِرْدَوْسِ فِيحِ
وَجَاوَرَنَا عَدُوًّا لَيْسَ يُنْسَى لَعَيْنٌ مَا يَمُوتُ فَنَسْتَرِيحُ
قَتَلَ قَابِيلُ هَابِيلَ أَخَاهُ فَوَا أَسَفًا عَلَى الْوَجْهِ الْمَلِيحِ
فَمَا لِي لَا أَجُودُ بِسَكْبِ دَمْعِي وَهَابِيلُ تَضَمَّنَهُ الضَّرِيحُ
أَرَى طُولَ الْحَيَاةِ عَلَيَّ غَمًّا وَمَا أَنَا فِي حَيَاتِي مُسْتَرِيحُ
[ ١ / ١٩٨ ]
قُلْت: لَا يُخْفَى مَا فِي هَذَا الشِّعْرِ مِنْ الْأَقْوَى وَهُوَ يُخَالِفُ الْقَافِيَةَ فِي الْإِعْرَابِ، فَإِنَّ مِنْهَا مَا هُوَ مَرْفُوعٌ وَمِنْهَا مَا هُوَ مَجْرُورٌ، وَقَدْ أَنْكَرَ كَثِيرٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ نِسْبَةَ هَذِهِ الْأَبْيَاتِ لِآدَمَ - ﵇ -، وَقَالَ إنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنْ الشِّعْرِ كَسَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ، وَنُسِبَ ذَلِكَ لِابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ -.
وَفِي سِيرَةِ ابْنِ هِشَامٍ حَدَّثَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالشِّعْرِ أَنَّ هَذِهِ الْأَبْيَاتَ أَوَّلُ شِعْرٍ قِيلَ فِي الْعَرَبِ، وَأَنَّهَا وُجِدَتْ مَكْتُوبَةً فِي حَجَرٍ فِي الْيَمَنِ وَلَمْ يُسَمِّ لِي قَائِلَهَا، وَهِيَ هَذِهِ:
يَا أَيُّهَا النَّاسُ سِيرُوا إنَّ قَصْدَكُمُو أَنْ تُصْبِحُوا ذَاتَ يَوْمٍ لَا تَسِيرُونَا
حُثُّوا الْمَطِيَّ وَأَرْخُوا مِنْ أَزِمَّتِهَا قَبْلَ الْمَمَاتِ وَقَضُّوا مَا تُقَضُّونَا
كُنَّا أُنَاسًا كَمَا كُنْتُمْ فَغَيَّرَنَا دَهْرٌ فَأَنْتُمْ كَمَا كُنَّا تَكُونُونَا
وَنَسَبَهَا ابْنُ إِسْحَاقَ إلَى عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ بْنِ مُضَاضٍ الْأَكْبَرِ وَهُوَ صَاحِبُ الْأَبْيَاتِ الَّتِي أَوَّلُهَا قَوْلُهُ:
كَأَنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ الْحَجُونِ إلَى الصَّفَا أَنِيسٌ وَلَمْ يَسْمُرْ بِمَكَّةَ سَامِرُ
بِلًى نَحْنُ كُنَّا أَهْلَهَا فَأَزَالَنَا صُرُوفُ اللَّيَالِي وَالْجُدُودُ الْعَوَاثِرُ
وَكُنَّا وُلَاةَ الْبَيْتِ مِنْ بَعْدِ نَابِتٍ نَطُوفُ بِذَاكَ الْبَيْتِ وَالْخَيْرُ ظَاهِرُ
وَنَحْنُ وُلِينَا الْبَيْتَ مِنْ بَعْدِ نَابِتٍ بِعِزٍّ فَمَا يُخْطِئُ لَدَيْنَا الْمُكَاثِرُ
مَلَكْنَا فَعَزَزْنَا فَأَعْظِمْ بِمُلْكِنَا فَلَيْسَ لِحَيٍّ غَيْرُنَا ثَمَّ فَاخِرُ
الْقَصِيدَةَ بِطُولِهَا.
وَفِي الْأَوَائِلِ: أَوَّلُ مَنْ قَصَّدَ الْقَصَائِدَ وَذَكَرَ الْوَقَائِعَ امْرُؤُ الْقَيْسِ. وَلَمْ يَكُنْ لِأَوَائِل الْعَرَبِ إلَّا أَبْيَاتًا يَقُولُهَا الرَّجُلُ فِي حَاجَتِهِ وَتَعْزِيَتِهِ وَتَارِيخِهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَأَوَّلُ قَرْنٍ قُصِّدَتْ فِيهِ الْقَصَائِدُ وَطُوِّلَ الشِّعْرُ عَلَى عَهْدِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَهَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ، وَامْتَلَأَ الْكَوْنُ مِنْ الشُّعَرَاءِ وَالْفُصَحَاءِ حَتَّى صَارَ الشِّعْرُ كَالدِّينِ يَفْتَخِرُونَ بِهِ وَيَنْتَسِبُونَ إلَيْهِ حَتَّى جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - بِالْقُرْآنِ الْمُعْجِزِ، فَعَارَضُوهُ بِالشِّعْرِ فَأَعْجَزَهُمْ بِفَصَاحَتِهِ وَبَلَاغَتِهِ، وَقَطَعَ دَوَاعِيَ مُعَارِضِيهِ فَلَمْ يَأْتُوا بِمِثْلِ أَقْصَرِ سُورَةٍ، فَأَعْرَضُوا عَنْ مُصَاقَعَةِ اللِّسَانِ وَتَصَدَّوْا إلَى مُقَارَعَةِ السِّنَانِ لِعَجْزِهِمْ عَنْ أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ أَقْصَرِ سُورَةٍ مِنْهُ.
[ ١ / ١٩٩ ]
وَأَوَّلُ مَنْ لَطَّفَ الْمَعَانِيَ فِي الشِّعْرِ وَاسْتَوْقَفَ عَلَى الطُّلُولِ وَوَصَفَ النِّسَاءِ بِالظِّبَا وَالْمَهَا وَالْبِيضِ امْرُؤُ الْقَيْسِ. قَالَ عَلِيٌّ: رَأَيْته أَحْسَنَ الشُّعَرَاءِ لِأَنَّهُ قَالَ مَا لَمْ يَقُولُوا، وَأَحْسَنَهُمْ نَادِرَةً، وَأَسْبَقَهُمْ بَادِرَةً، وَلَمْ يَقُلْ الشِّعْرَ لِرَغْبَةٍ وَلَا لِرَهْبَةٍ.
وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ بِالشِّعْرِ: إنَّ امْرَأَ الْقَيْسِ لَمْ يَتَقَدَّمْ الشُّعَرَاءَ وَلَكِنَّهُ سَبَقَ إلَى أَشْيَاءَ فَاسْتَحْسَنَهَا الشُّعَرَاءُ وَاتَّبَعُوهُ فِيهَا فَهُوَ أَشْعَرُ شُعَرَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ.
وَقِيلَ فِي حَقِّهِ عَلَى لِسَانِ النُّبُوَّةِ: «امْرُؤُ الْقَيْسِ بِيَدِهِ لِوَاءُ الشُّعَرَاءِ» كَمَا فِي مُزْهِرِ اللُّغَةِ لِلسُّيُوطِيِّ.
وَفِي أَوَائِلِ السُّيُوطِيِّ أَنَّ أَوَّلَ مَنْ أَرَقَّ الشِّعْرَ وَالْمَرَاثِي مُهَلْهَلُ بْنُ رَبِيعَةَ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ كَذَبَ فِي شِعْرِهِ. وَلَا شَكَّ أَنَّ أَشْعَرَهُمْ أَكْذَبُهُمْ.
وَفِي التَّوْرَاةِ: أَبُو ذِئْبٍ مُؤَلِّفٌ زُورًا، وَكَانَ اسْمَ شَاعِرٍ بِالسُّرْيَانِيَّةِ. وَقَدْ قِيلَ: الشُّعَرَاءُ أَرْبَعَةٌ: امْرُؤُ الْقَيْسِ، وَطَرَفَةُ، وَالنَّابِغَةُ، وَمُهَلْهَلٌ، وَأَشْعَرُ الْإِسْلَامِيِّينَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ.