وَيَحْرُمُ عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ (إفْشَاءُ) أَيْ نَشْرُ وَإِذَاعَةُ سِرٍّ، وَهُوَ مَا يُكْتَمُ كَالسَّرِيرَةِ وَجَمْعُهُ أَسْرَارٌ وَسَرَائِرُ. قَالَ فِي الْقَامُوسِ: فَشَا خَبَرُهُ فَشْوًا
[ ١ / ١١٥ ]
وَفُشُوًّا وَفُشِيًّا انْتَشَرَ وَأَفْشَاهُ نَشَرَهُ. وَلَعَلَّهُ يَحْرُمُ حَيْثُ أُمِرَ بِكَتْمِهِ أَوْ دَلَّتْهُ قَرِينَةٌ عَلَى كِتْمَانِهِ أَوْ مَا كَانَ يُكْتَمُ عَادَةً. أَخْرَجَ أَبُو دَاوُد عَنْ جَابِرٍ - ﵁ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ. «الْمَجَالِسُ بِالْأَمَانَةِ إلَّا ثَلَاثَةَ مَجَالِسَ: سَفْكُ دَمٍ حَرَامٍ، أَوْ فَرْجٍ حَرَامٍ، أَوْ اقْتِطَاعِ مَالٍ بِغَيْرِ حَقٍّ» .
وَأُخْرِجَ عَنْهُ - ﵁ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ «إذَا حَدَّثَ رَجُلٌ رَجُلًا بِحَدِيثٍ ثُمَّ الْتَفَتَ فَهُوَ أَمَانَةٌ» وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ.
وَأَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ: «مَنْ سَمِعَ مِنْ رَجُلٍ حَدِيثًا لَا يَشْتَهِي أَنْ يُذْكَرَ عَنْهُ فَهُوَ أَمَانَةٌ وَإِنْ لَمْ يَسْتَكْتِمْهُ» . وَأَخْرَجَ عَنْ أَنَسٍ - ﵁ -: «مَا خَطَبَ نَبِيُّ اللَّهِ - ﷺ - إلَّا قَالَ لَا إيمَانَ لِمَنْ لَا أَمَانَةَ لَهُ، وَلَا دِينَ لِمَنْ لَا عَهْدَ لَهُ» قَالَ فِي الْفُرُوعِ: حُرِّمَ فِي أَسْبَابِ الْهِدَايَةِ إفْشَاءُ السِّرِّ. وَفِي الرِّعَايَةِ يَحْرُمُ إفْشَاءُ السِّرِّ الْمُضِرِّ. انْتَهَى.
وَفِي التَّنْزِيلِ ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولا﴾ [الإسراء: ٣٤] .
وَلَمَّا عَرَضَ عُمَرُ - ﵁ - بِنْتَه حَفْصَةَ لِأَبِي بَكْرٍ - ﵁ - فَلَمْ يُجِبْهُ بِشَيْءٍ قَالَ لَهُ بَعْدَ أَنْ دَخَلَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - لَعَلَّك وَجَدْت عَلَيَّ حِينَ عَرَضْت عَلَيَّ حَفْصَةَ فَلَمْ أَرْجِعْ إلَيْك شَيْئًا، فَقَالَ نَعَمْ، فَقَالَ إنَّهُ لَمْ يَمْنَعْ أَنْ أَرْجِعَ إلَيْك فِيمَا عَرَضْت عَلَيَّ إلَّا أَنِّي كُنْت عَلِمْت أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - ذَكَرَهَا فَلَمْ أَكُنْ لِأُفْشِيَ سِرَّ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -.
وَقَالَ أَنَسٌ - ﵁ -: «أَتَى رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - وَأَنَا أَلْعَبُ مَعَ الْغِلْمَانِ فَسَلَّمَ عَلَيْنَا فَبَعَثَنِي فِي حَاجَةٍ فَأَبْطَأْت عَلَى أُمِّي، فَلَمَّا جِئْت قَالَتْ مَا حَبَسَك؟ قُلْت بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - فِي حَاجَةٍ، قَالَتْ مَا حَاجَتُهُ؟ قُلْت إنَّهَا سِرٌّ قَالَتْ لَا تُخْبِرْنَ بِسِرِّ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - أَحَدًا. قَالَ أَنَسٌ: وَاَللَّهِ لَوْ حَدَّثْت بِهِ أَحَدًا لَحَدَّثْتُك بِهِ يَا ثَابِتُ» .
وَذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ الْخَبَرَ الْمَرْوِيَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - «مَنْ أَسَرَّ إلَى أَخِيهِ سِرًّا لَمْ يَحِلَّ لَهُ أَنْ يُفْشِيَهُ عَلَيْهِ» .
[ ١ / ١١٦ ]
وَقَالَ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ - ﵁ - لِابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ: يَا بُنَيَّ إنِّي أَرَى أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِيكَ، يَعْنِي عُمَرَ - ﵃ -، فَاحْفَظْ عَنِّي ثَلَاثًا: لَا تُفْشِيَنَّ لَهُ سِرًّا، وَلَا تَغْتَابَنَّ أَحَدًا، وَلَا يَطَّلِعَنَّ مِنْك عَلَى كِذْبَةٍ.
وَقَالَ الْحُكَمَاءُ: ثَلَاثَةٌ لَا يَنْبَغِي لِلْعَاقِلِ أَنْ يَقْدَمَ عَلَيْهَا: شُرْبُ السُّمِّ لِلتَّجْرِبَةِ، وَإِفْشَاءُ السِّرِّ إلَى الْقَرَابَةِ وَالْحَاسِدِ وَإِنْ كَانَ ثِقَةً، وَرُكُوبُ الْبَحْرِ وَإِنْ كَانَ فِيهِ غِنًى. وَيُرْوَى: أَصْبَرُ النَّاسِ مَنْ لَا يُفْشِي سِرَّهُ إلَى صَدِيقِهِ مَخَافَةَ التَّقَلُّبِ يَوْمًا مَا. وَقَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: الْقُلُوبُ أَوْعِيَةُ الْأَسْرَارِ، وَالشِّفَاهُ أَقْفَالُهَا، وَالْأَلْسُنُ مَفَاتِيحُهَا، فَلْيَحْفَظْ كُلٌّ مِنْكُمْ مَفَاتِيحَ سِرِّهِ.
وَقَالَ أَكْثَمُ بْنُ صَيْفِيٍّ: إنَّ سِرَّك مِنْ دَمِك، فَانْظُرْ أَيْنَ تُرِيقُهُ. وَكَانَ يُقَالُ: أَكْثَرُ مَا يَتِمُّ تَدْبِيرُ الْكِتْمَانِ. وَقَالَ الشَّاعِرُ:
وَسِرُّك مَا كَانَ عِنْدَ امْرِئٍ وَسِرُّ الثَّلَاثَةِ غَيْرُ الْخَفِيِّ
وَقَالَ آخَرُ:
فَلَا تُخْبِرْ بِسِرِّك كُلُّ سِرٍّ إذَا مَا جَاوَزَ الِاثْنَيْنِ فَاشٍ
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: إنَّمَا السِّرُّ مَا أَسْرَرْته فِي نَفْسِك لَمْ تُبْدِهِ إلَى أَحَدٍ. قَالَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ - ﵁ -: مَا اسْتَوْدَعْت رَجُلًا سِرًّا فَأَفْشَاهُ فَلُمْته لِأَنِّي كُنْت بِهِ أَضْيَقُ صَدْرًا حَيْثُ اسْتَوْدَعْته إيَّاهُ.
وَإِلَى ذَا ذَهَبَ الْقَائِلُ:
إذَا الْمَرْءُ أَفْشَى سِرَّهُ بِلِسَانِهِ وَلَامَ عَلَيْهِ غَيْرَهُ فَهُوَ أَحْمَقُ
" وَقَالَ آخَرُ:
إذَا ضَاقَ صَدْرُ الْمَرْءِ عَنْ سِرِّ نَفْسِهِ فَصَدْرُ الَّذِي يَسْتَوْدِعُ السِّرَّ أَضْيَقُ
وَقَالَ آخَرُ:
إذَا مَا ضَاقَ صَدْرُك عَنْ حَدِيثٍ فَأَفْشَتْهُ الرِّجَالُ فَمَنْ تَلُومُ
إذَا عَاتَبْت مَنْ أَفْشَى حَدِيثِي وَسِرِّي عِنْدَهُ فَأَنَا الظَّلُومُ
فَإِنِّي حِينَ أَسْأَمُ حَمْلَ سِرِّي وَقَدْ ضَمَّنْته صَدْرِي مَشُومُ
وَلَسْت مُحَدِّثًا سِرِّي خَلِيلًا وَلَا عُرْسِي إذَا خَطَرَتْ هُمُومُ
وَأَطْوِي السِّرَّ دُونَ النَّاسِ إنِّي لِمَا اُسْتُوْدِعْت مِنْ سِرٍّ كَتُومُ
[ ١ / ١١٧ ]
وَقَدْ ذَكَرَ مَنْ أَضْجَرَهُ كَتْمُ الْأَسْرَارِ وَأَنَّهَا تَغْلِي فِي قَلْبِهِ غَلَيَانَ النَّارِ، مَا ذَاعَ وَشَاعَ فِي النَّثْرِ وَالْأَشْعَارِ، فَمِنْهُ:
وَلَا أَكْتُمُ الْأَسْرَارَ لَكِنْ أَبُثُّهَا وَلَا أَدَعُ الْأَسْرَارَ تَقْتُلُنِي غَمَّا
وَإِنَّ سَخِيفَ الرَّأْيِ مَنْ بَاتَ لَيْلَهُ حَزِينًا بِكِتْمَانٍ كَأَنَّ بِهِ حُمَّى
وَفِي بَثِّك الْأَسْرَارَ لِلْقَلْبِ رَاحَةٌ وَتَكْشِفُ بِالْإِفْشَاءِ عَنْ قَلْبِك الْهَمَّا
وَقَالَ آخَرُ:
وَلَا أَكْتُمُ الْأَسْرَارَ لَكِنْ أُذِيعُهَا وَلَا أَدَعُ الْأَسْرَارَ تَغْلِي عَلَى قَلْبِي
وَإِنَّ ضَعِيفَ الْقَلْبِ مَنْ بَاتَ لَيْلَهُ تُقَلِّبُهُ الْأَسْرَارُ جَنْبًا عَلَى جَنْبِ
وَقَدْ قِيلَ: لَا تُطْلِعُوا النِّسَاءَ عَلَى سِرِّكُمْ يَصْلُحُ لَكُمْ أَمْرُكُمْ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ عَلَى الْعَاقِلِ كِتْمَانَ السِّرِّ، وَاَللَّهُ وَلِيُّ الْأَمْرِ. وَقَالَ آخَرُ:
لَا تُودِعَن وَلَا الْجَمَادَ سَرِيرَةً فَمِنْ الْجَوَامِدِ مَا يُشِيرُ وَيَنْطِقُ
وَإِذَا الْمُحَكُّ أَذَاعَ سِرَّ أَخٍ لَهُ وَهُوَ الْجَمَادُ فَمَنْ بِهِ يَسْتَوْثِقُ