وَقَدْ جَاءَ الْوَعِيدُ الشَّدِيدُ مِنْ النَّبِيِّ الْمَجِيدِ - ﷺ - فِي عِظَمِ وِزْرِ الْمُصَوِّرِينَ وَتَهْوِيلِ ذَلِكَ.
[ ١ / ٢٤٣ ]
فَفِي الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ «إنَّ الَّذِينَ يَصْنَعُونَ هَذِهِ الصُّوَرَ يُعَذَّبُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُقَالُ لَهُمْ أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ» .
وَقَالَتْ عَائِشَةُ - ﵂ -: «قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - مِنْ سَفَرٍ وَقَدْ سَتَرْت سَهْوَةً لِي بِقِرَامٍ فِيهِ تَمَاثِيلُ، فَلَمَّا رَآهُ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - تَلَوَّنَ وَجْهُهُ وَقَالَ يَا عَائِشَةُ، أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الَّذِينَ يُضَاهُونَ بِخَلْقِ اللَّهِ قَالَتْ: فَقَطَعْنَاهُ فَجَعَلْنَا مِنْهُ وِسَادَةً أَوْ وِسَادَتَيْنِ.» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ السَّهْوَةُ - بِفَتْحِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ - الطَّاقُ فِي الْحَائِطِ يُوضَعُ فِيهِ الشَّيْءُ. وَقِيلَ الصُّفَّةُ، وَقِيلَ الْمَخْدَعُ بَيْنَ الْبَيْتَيْنِ، وَقِيلَ بَيْتٌ صَغِيرٌ كَالْخِزَانَةِ الصَّغِيرَةِ. وَالْقِرَامُ - بِكَسْرِ الْقَافِ - هِيَ السِّتْرُ.
وَفِي رِوَايَةٍ لَهُمَا قَالَتْ: «دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - وَفِي الْبَيْتِ قِرَامٌ فِيهِ صُوَرٌ فَتَلَوَّنَ وَجْهُهُ ثُمَّ تَنَاوَلَ السِّتْرَ فَهَتَكَهُ وَقَالَ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ الَّذِينَ يُصَوِّرُونَ هَذِهِ الصُّوَرَ» .
وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى لَهُمَا «أَنَّهَا اشْتَرَتْ نُمْرُقَةً - وَهِيَ بِضَمِّ النُّونِ وَالرَّاءِ أَيْضًا؛ وَقَدْ تُفْتَحُ الرَّاءُ وَبِكَسْرِهَا - يَعْنِي مِخَدَّةً فِيهَا تَصَاوِيرُ، فَلَمَّا رَآهَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - قَامَ عَلَى الْبَابِ فَلَمْ يَدْخُلْ، فَعَرَفَتْ فِي وَجْهِهِ الْكَرَاهِيَةَ. قَالَتْ: فَقُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتُوبُ إلَى اللَّهِ وَإِلَى رَسُولِهِ، مَاذَا أَذْنَبْت؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ مَا بَالُ هَذِهِ النُّمْرُقَةِ؟ فَقُلْت اشْتَرَيْتهَا لَك لِتَقْعُدَ عَلَيْهَا وَتَوَسَّدَهَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - إنَّ أَصْحَابَ هَذِهِ الصُّوَرِ يُعَذَّبُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُقَالُ لَهُمْ أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ» .
وَقَالَ «إنَّ الْبَيْتَ الَّذِي فِيهِ الصُّوَرُ لَا تَدْخُلهُ الْمَلَائِكَةُ»
وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ «أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إلَى ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - فَقَالَ إنِّي رَجُلٌ أُصَوِّرُ هَذِهِ الصُّوَرَ فَأَفْتِنِي فِيهَا، فَقَالَ لَهُ اُدْنُ مِنِّي فَدَنَا، ثُمَّ قَالَ لَهُ اُدْنُ مِنِّي، فَدَنَا، حَتَّى وَضَعَ يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ وَقَالَ أُنْبِئُك بِمَا سَمِعْت مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ كُلُّ مُصَوِّرٍ فِي النَّارِ، يَجْعَلُ لَهُ بِكُلِّ صُورَةٍ صَوَّرَهَا نَفْسًا فَيُعَذِّبَهُ فِي
[ ١ / ٢٤٤ ]
جَهَنَّمَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ - ﵄ - فَإِنْ كُنْت لَا بُدَّ فَاعِلًا فَاصْنَعْ الشَّجَرَ وَمَا لَا نَفْسَ لَهُ» .
وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْ حَيَّانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ: قَالَ لِي عَلِيٌّ - ﵁ - «أَلَا أَبْعَثُك عَلَى مَا بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - أَنْ لَا تَدَعَ صُورَةً إلَّا طَمَسْتهَا، وَلَا قَبْرًا مُشْرِفًا إلَّا سَوَّيْتَهُ» .
وَفِي الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ «لَا تَدْخُلُ الْمَلَائِكَةُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ وَلَا صُورَةٌ» وَفِي مُسْلِمٍ «لَا تَدْخُلُ الْمَلَائِكَةُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ وَلَا تَمَاثِيلُ» وَالْمُرَادُ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ وَالْبَرَكَةِ دُونَ الْحَافِظِينَ وَغَيْرِهِمَا، كَمَا جَزَمَ بِهِ ابْنُ وَضَّاحٍ وَالْخَطَّابِيُّ وَآخَرُونَ.
وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: وَالظَّاهِرُ الْعُمُومُ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَطَّلِعَ اللَّهُ عَلَى عَمَلِ الْعَبْدِ وَيُسْمِعَهُمْ قَوْلَهُ وَهُمْ بِبَابِ الدَّارِ الَّذِي هُوَ فِيهَا مَثَلًا كَمَا قَالَهُ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ.
وَالْمُرَادُ بِالصُّورَةِ الَّتِي لَا تَدْخُلُ الْمَلَائِكَةُ الْبَيْتَ الَّتِي هِيَ فِيهِ مَا يَحْرُمُ اقْتِنَاؤُهُ وَهُوَ مَا يَكُونُ مِنْ الصُّوَرِ الَّتِي فِيهَا الرُّوحُ مَا لَمْ يُقْطَعْ رَأْسُهُ أَوْ لَمْ يُمْتَهَنْ، قَالَهُ الْخَطَّابِيُّ. وَمِثْلُهُ الْكَلْبُ، يَعْنِي حَيْثُ لَمْ يُبَحْ اقْتِنَاؤُهُ كَمَا يَأْتِي بَيَانُهُ.
وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَسَنٌ صَحِيحٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - «تَخْرُجُ عُنُقٌ مِنْ النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَهَا عَيْنَانِ تُبْصِرَانِ وَأُذُنَانِ تَسْمَعَانِ وَلِسَانٌ يَنْطِقُ يَقُولُ إنِّي وُكِّلْت بِثَلَاثَةٍ: بِمَنْ دَعَا مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ، وَبِكُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ، وَبِالْمَصُورِينَ» .
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ: الْعُنُقُ بِضَمِّ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَالنُّونِ أَيْ طَائِفَةٌ وَجَانِبٌ مِنْ النَّارِ.
إذَا عَلِمْت ذَلِكَ فَإِطْلَاقُ النَّاظِمِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مَخْصُوصٌ بِصُوَرِ الْحَيَوَانِ دُونَ الشَّجَرِ وَمَا لَا رُوحَ فِيهِ، وَيَعْنِي دُونَ مَا لَيْسَ هُوَ عَلَى هَيْئَةِ ذِي رُوحٍ وَمَا لَا تَبْقَى مَعَهُ حَيَاةٌ كَإِبَانَةِ رَأْسِ الصُّورَةِ. نَعَمْ لَوْ فَصَلَهَا بِنَحْوِ خَطٍّ مِمَّا يَزِيدُهَا رَوْنَقًا لَمْ تَزُلْ الْحُرْمَةُ. وَعُمُومُ نِظَامِهِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَتَنَاوَلُ الصُّوَرَ الَّتِي عَلَى نَحْوِ الثِّيَابِ مِنْ السُّتُورِ لَكِنَّهُ مَخْصُوصٌ بِالصُّوَرِ الَّتِي عَلَى نَحْوِ الْحِيطَانِ فَإِنَّهُ لَا ضَمَانَ عَلَى مَنْ أَتْلَفَهَا بِخِلَافِ الصُّوَرِ الْمُصَوَّرَةِ عَلَى السُّتُورِ وَالثِّيَابِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ تَخْرِيقُهَا وَإِنْ كَانَ تَصْوِيرُهَا حَرَامًا.
[ ١ / ٢٤٥ ]
قَالَ الْمَرُّوذِيُّ: قُلْت لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ - ﵁ -: فَالرَّجُلُ يُدْعَى فَيَرَى سِتْرًا عَلَيْهِ تَصَاوِيرُ، قَالَ لَا يَنْظُرُ إلَيْهِ. قُلْت قَدْ نَظَرْت إلَيْهِ كَيْفَ أَصْنَعُ أَهْتِكُهُ؟ قَالَ: لَا يُحْرَقُ شَيْءُ النَّاسِ، وَلَكِنْ إنْ أَمْكَنَك خَلْعُهُ خَلَعْته. قُلْت فَالرَّجُلُ يَكْتَرِي الْبَيْتَ فِيهِ تَصَاوِيرُ تَرَى أَنْ أَحُكَّ الرَّأْسَ؟ قَالَ نَعَمْ، وَهَذَا الْحَكُّ إذَا كَانَ فِي الْحَائِطِ، وَأَمَّا فِي سِتْرٍ وَثِيَابٍ فَلَا يُتْلِفُهَا.
وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْفُنُونِ: وَسُئِلَ هَلْ يَجُوزُ تَخْرِيقُ الثِّيَابِ الَّتِي عَلَيْهَا الصُّوَرُ؟ قَالَ لَا يَجُوزُ لِأَنَّهَا يُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ مَفَارِشَ بِخِلَافِ غَيْرِهَا. انْتَهَى.
وَقَدْ عَلِمْت مِمَّا ذَكَرْنَا فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ أَنَّهَا اتَّخَذَتْ ذَاكَ السِّتْرَ مِخَدَّةً أَوْ مِخَدَّتَيْنِ. فَإِذَا كَانَ عَلَى نَحْوِ بِسَاطٍ يُفْرَشُ وَيُدَاسُ، أَوْ مَخَادٍّ تُوضَعُ وَيُجْلَسُ عَلَيْهَا فَلَا حُرْمَةَ. نَعَمْ التَّصْوِيرُ حَرَامٌ وَهُوَ مِنْ الْكَبَائِرِ كَمَا فِي الْإِقْنَاعِ وَغَيْرِهِ.
وَتَأْتِي لَهُ تَتِمَّةٌ فِي آدَابِ اللِّبَاسِ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. .
(وَلَا) غُرْمَ أَيْضًا فِي (آلَةِ) وَهِيَ فِي اللُّغَةِ مَا عُمِلَتْ بِهِ مِنْ آلَاتِ الْبِنَاءِ مَثَلًا نَحْوُ خَشَبٍ وَأَحْجَارٍ وَآجُرٍّ وَعَمَلِ الْخَيْمَةِ وَالْجَمْعُ آلَاتٌ (الدَّدِ) أَيْ اللَّهْوِ وَاللَّعِبِ وَفِيهِ ثَلَاثُ لُغَاتٍ كَمَا فِي الْقَامُوسِ وَالصِّحَاحِ، تَقُولُ هَذَا دَدٌ وَدَدًا كَقَفًا وَدَدَنٍ. وَفِي حَدِيثٍ «مَا أَنَا دَدٌ وَلَا الدَّدُ مِنِّي» قَالَ فِي الْآدَابِ الْكُبْرَى: لَهُ كَسْرُ آلَةِ اللَّهْوِ وَصُوَرِ الْخَيَالِ.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ - ﵁ -: وَآلَاتُ اللَّهْوِ لَا يَجُوزُ اتِّخَاذُهَا وَلَا الِاسْتِئْجَارُ عَلَيْهَا عِنْدَ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ. قَالَ فِي الْإِقْنَاعِ كَغَيْرِهِ: وَمَنْ أَتْلَفَ أَوْ كَسَرَ مِزْمَارًا أَوْ طُنْبُورًا أَوْ صَلِيبًا أَوْ كَسَرَ إنَاءَ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ أَوْ إنَاءً فِيهِ خَمْرٌ مَأْمُورٌ بِإِرَاقَتِهَا وَلَوْ قَدَرَ عَلَى إرَاقَتِهَا بِدُونِهِ أَوْ آلَةَ لَهْوٍ وَلَوْ مَعَ صَغِيرٍ كَعُودٍ وَطَبْلٍ وَدُفٍّ بِصُنُوجٍ أَوْ حِلَقٍ أَوْ نَرْدٍ أَوْ شِطْرَنْجٍ أَوْ صُوَرَ خَيَالٍ أَوْ أَوْثَانٍ، وَيَأْتِي بَعْضُ ذَلِكَ فِي النَّظْمِ، لَمْ يَضْمَنْ فِي الْجَمِيعِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ.
قَالَ الْإِمَامُ الْمُحَقِّقُ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي كِتَابِ (إغَاثَةِ اللَّهْفَانِ مِنْ مَكَائِدِ الشَّيْطَانِ): وَنَصَّ يَعْنِي الْإِمَامَ أَحْمَدَ - ﵁ - عَلَى كَسْرِ آلَاتِ اللَّهْوِ كَالطُّنْبُورِ وَغَيْرِهِ إذَا رَآهَا مَكْشُوفَةً وَأَمْكَنَهُ كَسْرُهَا. وَعَنْهُ فِي كَسْرِهَا إذَا كَانَتْ مُغَطَّاةً تَحْتَ ثِيَابِهِ وَعَلِمَ بِهَا رِوَايَتَانِ مَنْصُوصَتَانِ. وَقَدْ عَلِمْت فِي كَلَامِ صَاحِبِ الْإِقْنَاعِ وَغَيْرِهِ الْإِطْلَاقَ فِي عَدَمِ الضَّمَانِ.
[ ١ / ٢٤٦ ]