قَالَ الْإِمَامُ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي جَلَاءِ الْأَفْهَامِ: الْمَوْطِنُ السَّابِعُ مِنْ مَوَاطِنِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ - ﷺ - عِنْدَ الدُّعَاءِ وَلَهُ ثَلَاثُ مَرَاتِبَ: إحْدَاهَا أَنْ يُصَلِّيَ قَبْلَ الدُّعَاءِ وَبَعْدَ حَمْدِ اللَّهِ، الثَّانِيَةُ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ فِي أَوَّلِ الدُّعَاءِ وَأَوْسَطِهِ وَآخِرِهِ، الثَّالِثَةُ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ فِي أَوَّلِهِ وَآخِرِهِ وَيَجْعَلَ حَاجَتَهُ مُتَوَسِّطَةً بَيْنَهُمَا.
أَمَّا دَلِيلُ الْمَرْتَبَةِ الْأُولَى فَحَدِيثُ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ صَاحِبِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - «إذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَبْدَأْ بِتَحْمِيدِ رَبِّهِ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ ثُمَّ يُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ - ثُمَّ يَدْعُو بَعْدُ بِمَا شَاءَ» رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ.
وَأَمَّا الثَّانِيَةُ فَحَدِيثُ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ - ﵄ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - «لَا تَجْعَلُونِي كَقَدَحِ الرَّاكِبِ» فَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَقَالَ: «اجْعَلُونِي فِي وَسَطِ الدُّعَاءِ وَفِي أَوَّلِهِ وَفِي آخِرِهِ» رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ.
وَأَمَّا الثَّالِثَةُ فَقَالَ فِي جَلَاءِ الْأَفْهَامِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي الْحَوَارِيِّ سَمِعْت أَبَا سُلَيْمَانَ الدَّارَانِيَّ - ﵀ - يَقُولُ: مَنْ أَرَادَ أَنْ يَسْأَلَ اللَّهَ حَاجَتَهُ فَلْيَبْدَأْ بِالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ - وَلْيَسْأَلْ حَاجَتَهُ وَلْيَخْتِمْ بِالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ - فَإِنَّ الصَّلَاةَ عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ - مَقْبُولَةٌ وَاَللَّهُ ﷾ أَكْرَمُ أَنْ يَرُدَّ مَا بَيْنَهُمَا. انْتَهَى.
وَرَوَى أَبُو الشَّيْخِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - «مَنْ صَلَّى عَلَيَّ فِي كِتَابٍ لَمْ تَزَلْ الْمَلَائِكَةُ يَسْتَغْفِرُونَ لَهُ مَا دَامَ اسْمِي فِي ذَلِكَ الْكِتَابِ» قَالَ فِي جَلَاءِ الْأَفْهَامِ: رَوَاهُ غَيْرُ وَاحِدٍ عَنْ أُسَيْدٍ
[ ١ / ٢٤ ]
كَذَلِكَ، وَرَوَاهُ إِسْحَاقُ بْنُ وَهْبٍ الْعَلَّافُ عَنْ بِشْرِ بْنِ عُبَيْدٍ فَقَالَ عَنْ حَازِمِ بْنِ بَكْرٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ عِيَاضٍ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. قَالَ وَفِي الْبَابِ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَعَائِشَةَ - ﵃ -.
وَرَوَى سُلَيْمَانُ بْنُ الرَّبِيعِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - «مَنْ صَلَّى عَلَيَّ فِي كِتَابٍ لَمْ تَزَلْ الصَّلَاةُ جَارِيَةً لَهُ مَا دَامَ اسْمِي فِي ذَلِكَ الْكِتَابِ» وَذَكَرَ الْإِمَامُ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي جِلَاءِ الْأَفْهَامِ مِنْ طَرِيقِ جَعْفَرِ بْنِ عَلِيٍّ الزَّعْفَرَانِيِّ قَالَ: سَمِعْت خَالِي الْحَسَنَ بْنَ مُحَمَّدٍ يَقُولُ: رَأَيْت أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ - ﵁ - فِي النَّوْمِ فَقَالَ يَا أَبَا عَلِيٍّ لَوْ رَأَيْت صَلَاتَنَا عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ - فِي الْكُتُبِ كَيْفَ تَزْهُو بَيْنَ يَدَيْنَا؟ وَلِذَا قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ: لَوْ لَمْ يَكُنْ لِصَاحِبِ الْحَدِيثِ فَائِدَةٌ إلَّا الصَّلَاةُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فَإِنَّهُ يُصَلِّي عَلَيْهِ مَا دَامَ اسْمُهُ فِي ذَلِكَ الْكِتَابِ - ﷺ -.
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: رَأَيْت الشَّافِعِيَّ - ﵁ - فِي النَّوْمِ فَقُلْت مَا فَعَلَ اللَّهُ بِك؟ فَقَالَ رَحِمَنِي وَغَفَرَ لِي وَزَفَّنِي إلَى الْجَنَّةِ كَمَا تُزَفُّ الْعَرُوسُ، وَنَثَرَ عَلَيَّ كَمَا يُنْثَرُ عَلَى الْعَرُوسِ، فَقُلْت بِمَاذَا بَلَغْت هَذِهِ الْحَالَةَ؟ فَقَالَ لِي قَائِلٌ: بِقَوْلِك فِي (كِتَابِ الرِّسَالَةِ) مِنْ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ - قُلْت فَكَيْفَ ذَلِكَ؟ قَالَ: وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ عَدَدَ مَا ذَكَرَهُ الذَّاكِرُونَ وَعَدَدَ مَا غَفَلَ عَنْ ذِكْرِهِ الْغَافِلُونَ فَلَمَّا أَصْبَحْت نَظَرْت إلَى الرِّسَالَةِ فَوَجَدْت الْأَمْرَ كَمَا رَأَيْت - ﷺ -. وَذَكَرَ فِي جَلَاءِ الْأَفْهَامِ مِنْ هَذَا أَشْيَاءَ كَثِيرَةً.
وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا «جَاءَنِي جِبْرِيلُ - ﵇ - فَقَالَ إنَّهُ مَنْ ذُكِرْت عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْك فَأَبْعَدَهُ اللَّهُ وَأَسْحَقَهُ، فَقُلْت آمِينَ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ.
وَمِنْ حَدِيثِ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ - ﵁ - مَرْفُوعًا «أَنَّ جِبْرِيلَ عَرَضَ لِي فَقَالَ بَعُدَ مَنْ ذُكِرْت عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْك فَقُلْت آمِينَ» رَوَاهُ الْحَاكِمُ وَقَالَ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «رَغِمَ أَنْفُ رَجُلٍ ذُكِرْت عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيَّ» .
وَعَنْ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمَا - عَنْ النَّبِيِّ - ﷺ -
[ ١ / ٢٥ ]
قَالَ «الْبَخِيلُ مَنْ ذُكِرْتُ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيَّ» رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَزَادَ فِي سَنَدِهِ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ.
وَمَا أَحْسَنَ قَوْلَ الْإِمَامِ الصَّرْصَرِيِّ فِي ذَلِكَ:
مَنْ لَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ إنْ ذُكِرَ اسْمُهُ فَهُوَ الْبَخِيلُ وَزِدْهُ وَصْفَ جَبَانِ
وَإِذَا الْفَتَى فِي الْعُمْرِ صَلَّى مَرَّةً فِي سَائِرِ الْأَقْطَارِ وَالْبُلْدَانِ
صَلَّى عَلَيْهِ اللَّهُ عَشْرًا فَلْيَزِدْ عَبْدٌ وَلَا يَجْنَحْ إلَى نُقْصَانِ
وَأَخْرَجَ النَّسَائِيُّ عَنْ جَابِرٍ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - «مَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ ثُمَّ تَفَرَّقُوا عَنْ غَيْرِ ذِكْرِ اللَّهِ ﷿ وَصَلَاةٍ عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ - إلَّا قَامُوا عَنْ أَنْتَنِ مِنْ جِيفَةٍ»
وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيُّ إلَّا أَنَّهُ قَالَ «إلَّا قَامُوا عَنْ أَنْتَنِ جِيفَةٍ» قَالَ الْإِمَامُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْمَقْدِسِيُّ: هَذَا عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ.
وَفَضْلُ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ - وَمَوَاطِنُهَا وَمُتَعَلِّقَاتُ ذَلِكَ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ تُذْكَرَ فِي مِثْلِ هَذَا الْمُخْتَصَرِ. وَإِنَّمَا ذَكَرْنَا طَرَفًا مِنْ ذَلِكَ لِيَكُونَ كَالْأُنْمُوذَجِ وَمَا لَا يُدْرَكُ كُلُّهُ لَا يُتْرَكُ بَعْضُهُ.