وَقَالَ الْحَجَّاوِيُّ فِي شَرْحِهِ: يُقَالُ مَثَلُ الْإِيمَانِ كَمَثَلِ بَلْدَةٍ لَهَا خَمْسُ حُصُونٍ:، الْأَوَّلُ مِنْ ذَهَبٍ، وَالثَّانِي مِنْ فِضَّةٍ، وَالثَّالِثُ مِنْ حَدِيدٍ، وَالرَّابِعُ مِنْ آجُرٍّ، وَالْخَامِسُ مِنْ لَبِنٍ، فَمَا زَالَ أَهْلُ الْحِصْنِ مُتَعَاهِدِينَ حِصْنَ اللَّبِنِ لَا يَطْمَعُ الْعَدُوُّ فِي الثَّانِي، فَإِذَا أَهْمَلُوا ذَلِكَ طَمِعُوا فِي الْحِصْنِ الثَّانِي ثُمَّ الثَّالِثِ حَتَّى تَخْرَبَ الْحُصُونُ كُلُّهَا، فَكَذَلِكَ الْإِيمَانُ فِي خَمْسِ حُصُونٍ الْيَقِينُ، ثُمَّ الْإِخْلَاصُ، ثُمَّ أَدَاءُ الْفَرَائِضِ، ثُمَّ السُّنَنُ، ثُمَّ حِفْظُ الْآدَابِ، فَمَا دَامَ يَحْفَظُ الْآدَابَ وَيَتَعَاهَدُهَا فَالشَّيْطَانُ لَا يَطْمَعُ فِيهِ، وَإِذَا تَرَكَ الْآدَابَ طَمِعَ الشَّيْطَانُ فِي السُّنَنِ، ثُمَّ فِي الْفَرَائِضِ، ثُمَّ فِي الْإِخْلَاصِ، ثُمَّ فِي الْيَقِينِ.
مِنْ السُّنَّةِ الْغَرَّاءِ أَوْ مِنْ كِتَابِ مَنْ تَقَدَّسَ عَنْ قَوْلِ الْغُوَاةِ وَجُحَّدِ
وَمِنْ قَوْلِ أَهْلِ الْفَضْلِ مِنْ عُلَمَائِنَا أَئِمَّةِ أَهْلِ السِّلْمِ مِنْ كُلِّ أَمْجَدِ
(مِنْ السُّنَّةِ) وَهِيَ فِي اللُّغَةِ: الطَّرِيقَةُ الْحَسَنَةُ، وَفِي الْعُرْفِ مَا أُضِيفَ إلَى النَّبِيِّ - ﷺ - مِنْ قَوْلٍ كَقَوْلِهِ: «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» أَوْ فِعْلٍ «كَلُبْسِهِ الْمِغْفَرَ»، «وَمُظَاهَرَتِهِ بَيْنَ دِرْعَيْنِ»، «وَلُبْسِهِ الْإِزَارَ وَالرِّدَاءَ وَالْعِمَامَةَ»، أَوْ تَقْرِيرٍ كَقَوْلِ الصَّحَابِيِّ كُنَّا نَفْعَلُ كَذَا وَكَذَا وَالنَّبِيُّ - ﷺ - يَنْظُرُ إلَيْنَا، أَوْ فِي حَيَاتِهِ وَلَمْ يُنْكِرْهُ عَلَيْنَا؛ أَوْ صِفَةٍ كَمَا فِي أَوْصَافِهِ وَحِلْيَتِهِ - ﷺ - مِنْ كَوْنِهِ كَحْلَ الْعَيْنَيْنِ، أَزَجَّ الْحَاجِبِينَ "، ضَخْمَ الْكَرَادِيسِ.
(الْغَرَّاءِ) أَيْ الْبَيْضَاءِ الشَّرِيفَةِ. قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: الْأَغَرُّ الْأَبْيَضُ، وَرَجُلٌ أَغَرُّ أَيْ شَرِيفٌ. وَفِي الْقَامُوسِ: الْغُرَّةُ بَيَاضٌ فِي الْجَبْهَةِ، وَفَرَسٌ أَغَرُّ وَغَرَّاءُ، وَالْأَغَرُّ الْأَبْيَضُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَالْكَرِيمُ الْأَفْعَالِ الْوَاضِحَةِ وَالشَّرِيفُ. انْتَهَى وَفِي الْحَدِيثِ: «تَرَكْتُكُمْ عَلَى بَيْضَاءَ نَقِيَّةٍ لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا» وَفِيهِ «غُرٌّ مُحَجَّلُونَ مِنْ آثَارِ الْوُضُوءِ» يُرِيدُ بَيَاضَ وُجُوهِهِمْ بِنُورِ الْوُضُوءِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْهُ الْحَدِيثُ فِي صَوْمِ الْأَيَّامِ الْغُرِّ أَيْ الْبِيضِ اللَّيَالِي بِالْقَمَرِ، وَهِيَ ثَالِثَ عَشَرَ، وَرَابِعَ عَشَرَ، وَخَامِسَ عَشَرَ، كَمَا فِي النِّهَايَةِ.
[ ١ / ٣٧ ]
أَوْ) مَنْقُولٌ وَمَأْثُورٌ (مِنْ كِتَابِ مَنْ) أَيْ الَّذِي أَوْ رَبٍّ (تَقَدَّسَ) أَيْ تَنَزَّهَ وَتَعَالَى وَتَطَهَّرَ وَتَبَارَكَ. قَالَ فِي الْقَامُوسِ: التَّقْدِيسُ التَّطْهِيرُ وَمِنْهُ الْأَرْضُ الْمُقَدَّسَةُ وَبَيْتُ الْمَقْدِسِ، وَفِي الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى الْقُدُّوسُ. قَالَ فِي النِّهَايَةِ: هُوَ الطَّاهِرُ الْمُنَزَّهُ عَنْ الْعُيُوبِ وَالنَّقَائِصِ.
قَالَ فِي الْقَامُوسِ: كُلُّ فَعُولٍ مَفْتُوحٌ غَيْرَ قُدُّوسٍ وَسُبُّوحٍ وَذُرُّوحٍ وَفُرُّوجٍ. قَالَ فِي النِّهَايَةِ: وَهُوَ مِنْ أَبْنِيَةِ الْمُبَالَغَةِ وَقَدْ تُفْتَحُ الْقَافُ وَلَيْسَ بِالْكَثِيرِ، وَلِذَا قَالَ فِي الْقَامُوسِ: وَيُفْتَحَانِ يَعْنِي قُدُّوسٌ وَسُبُّوحٌ.
(عَنْ قَوْلِ) النَّصَارَى وَأَضْرَابِهِمْ مِمَّنْ قَالَ بِالتَّثْلِيثِ أَوْ الزَّوْجِيَّةِ أَوْ كَوْنِ لَهُ وَلَدًا أَوْ شَرِيكًا كَمُشْرِكِي الْعَرَبِ (الْغُوَاةِ) جَمْعِ غَاوٍ وَهُمْ الضُّلَّالُ. قَالَ فِي النِّهَايَةِ فِي قَوْلِهِ - ﷺ - «مَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ رَشَدَ وَمَنْ يَعْصِهِمَا فَقَدْ غَوَى» يُقَالُ غَوَى يُغْوِي غَيًّا وَغَوَايَةً فَهُوَ غَاوٍ، أَيْ ضَلَّ وَأَضَلَّ، وَالْغَيُّ الضَّلَالُ وَالِانْهِمَاكُ فِي الْبَاطِلِ. وَإِنَّمَا وَصَفَهُمْ بِالْغَيِّ فِي النَّظْمِ لِزَعْمِهِمْ أَنَّ الْمَسِيحَ ابْنُ اللَّهِ أَوْ مَرْيَمَ زَوْجَتُهُ أَوْ هُوَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ تَعَالَى اللَّهُ عَنْ مَقَالَتِهِمْ (وَ) تَقَدَّسَ وَتَنَزَّهَ الرَّبُّ أَيْضًا عَنْ قَوْلِ (جُحَّدِ) جَمْعِ جَاحِدٍ أَيْ مُنْكِرٍ مَعَ عِلْمِهِ، يُقَالُ جَحَدَهُ حَقَّهُ كَمَنَعَهُ جَحْدًا وَجُحُودًا أَنْكَرَهُ مَعَ عِلْمِهِ. قَالَهُ فِي الْقَامُوسِ.
يَعْنِي تَعَالَى الرَّبُّ وَتَقَدَّسَ عَنْ قَوْلِ مُنْكِرِي الرُّبُوبِيَّةِ أَوْ وُجُودِهِ تَعَالَى، أَوْ صِفَةٍ مِنْ صِفَاتِهِ، أَوْ اسْمٍ مِنْ أَسْمَائِهِ الَّتِي نَطَقَ بِهَا الْقُرْآنُ أَوْ صَحَّ بِهَا الْأَثَرُ، أَوْ أَوَّلَ ذَلِكَ عَلَى خِلَافِ مَا وَرَدَ، أَوْ شَبَّهَهُ سُبْحَانَهُ بِشَيْءٍ مِنْ خَلْقِهِ الْمَنْفِيِّ فِي قَوْلِهِ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] بَلْ الْوَاجِبُ الْإِثْبَاتُ بِلَا تَمْثِيلٍ، وَالتَّنْزِيهُ بِلَا تَعْطِيلٍ، فَالْمُشَبِّهُ يَعْبُدُ صَنَمًا، وَالْمُعَطِّلُ يَعْبُدُ عَدَمًا، وَالْمُسْلِمُ يَعْبُدُ رَبَّ الْأَرْضِ وَالسَّمَاءِ جَلَّ شَأْنُهُ وَتَعَالَى سُلْطَانُهُ.
وَحَاصِلُ مَا ذَكَرَهُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ نَظْمَهُ مُسْتَنَدُهُ ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ:
الْأَوَّلُ الْكِتَابُ الْعَزِيزُ.
وَالثَّانِي السُّنَّةُ الْغَرَّاءُ (وَ) الْمَأْثُورُ.
الثَّالِثُ مَا نَظَمَهُ (مِنْ قَوْلِ) أَيْ مَقَالِ (أَهْلِ الْفَضْلِ) ضِدِّ النَّقْصِ، يُقَالُ فَضَلَ كَنَصَرَ وَعَلِمَ، وَأَمَّا فَضِلَ كَعَلِمَ يَفْضُلُ كَيَنْصُرُ فَمُرَكَّبَةٌ مِنْهُمَا كَمَا فِي الْقَامُوسِ (مِنْ عُلَمَائِنَا) مَعْشَرِ
[ ١ / ٣٨ ]
الْحَنَابِلَةِ مِنْ أَصْحَابِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ - ﵁ - فَمَا دُونَهُ مِمَّنْ دَأَبَ فِي تَهْذِيبِ مَذْهَبِهِ وَاسْتَخْرَجَ الْأَقْوَالَ وَاسْتَنْبَطَ الْأَوْجُهَ، فَإِنَّ التَّخْرِيجَ فِي اصْطِلَاحِ فُقَهَائِنَا: نَقْلُ حُكْمِ مَسْأَلَةٍ إلَى مَا يُشْبِهُهَا وَالتَّسْوِيَةُ بَيْنَهُمَا فِيهِ، وَالْوَجْهُ اسْتِنْبَاطُ الْحُكْمِ مِنْ مَفْهُومِ كَلَامِ الْإِمَامِ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ.
ثُمَّ إنَّ النَّاظِمَ وَصَفَ هَؤُلَاءِ الْفُضَلَاءَ مِنْ عُلَمَاءِ مَذْهَبِنَا بِقَوْلِهِ (أَئِمَّةِ) جَمْعِ إمَامٍ وَهُوَ الْمُتَقَدِّمُ عَلَى غَيْرِهِ، وَالْمُرَادُ هُنَا مَنْ اشْتَهَرَ بِالْإِمَامَةِ فَصَارَ يُقْتَدَى بِأَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ وَصَلَحَ أَنْ يَكُونَ مَتْبُوعًا، وَذَلِكَ أَنْ تُقْرَأَ أَئِمَّةِ بِالْجَرِّ صِفَةً لِمَنْ قَبْلَهُ، وَبِالرَّفْعِ عَلَى الْقَطْعِ أَيْ هُمْ أَئِمَّةُ (أَهْلِ السِّلْمِ) بِكَسْرِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِهَا، وَيُؤَنَّثُ كَمَا فِي الْقَامُوسِ، أَيْ الصُّلْحِ، وَأَرَادَ أَهْلَ الطَّاعَةِ وَالصَّلَاحِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا وَالْأَمْنَ مِنْ فَرْثِ أَهْلِ التَّشْبِيهِ وَالتَّمْثِيلِ وَذَمَّ أَهْلِ الْإِلْحَادِ وَالتَّعْطِيلِ (مِنْ كُلِّ) إمَامٍ (أَمْجَدِ) . مِنْ غَيْرِهِ وَالْمَجْدُ الشَّرَفُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ أَوْ الشَّرَفُ الْوَاسِعُ، يُقَالُ مَاجِدٌ مِفْضَالٌ كَثِيرُ الْخَيْرِ.
وَفِي كَلَامِ عَلِيٍّ - ﵁ - أَمَّا نَحْنُ بَنُو هَاشِمٍ فَأَنْجَادٌ أَمْجَادٌ أَيْ أَشْرَافٌ كِرَامٌ جَمْعُ مَجِيدٍ أَوْ مَاجِدٍ كَأَشْهَادٍ فِي شَهِيدٍ أَوْ شَاهِدٍ، قَالَهُ فِي النِّهَايَةِ.
كَأَنَّ النَّاظِمَ - ﵀ - (قَالَ) إنَّ مَا فِي مَنْظُومَتِي مِنْ الْأَحْكَامِ وَالْآدَابِ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَأَقَاوِيلِ الْأَئِمَّةِ مِنْ أَهْلِ الْمَذْهَبِ فَلَيْسَ مَا فِيهَا مِنْ قِبَلِ نَفْسِي بَلْ هُوَ مَأْثُورٌ وَمَشْهُورٌ وَإِنَّمَا لِي مِنْ ذَلِكَ النَّظْمُ وَالتَّأْلِيفُ وَالضَّمُّ وَالتَّصْرِيفُ لِيَسْهُلَ تَنَاوُلُهُ وَيَظْهَرَ تَدَاوُلُهُ.
لَعَلَّ إلَهَ الْعَرْشِ يَنْفَعُنَا بِهَا وَيُنْزِلُنَا فِي الْحَشْرِ فِي خَيْرِ مَقْعَدِ
(لَعَلَّ) هُوَ حَرْفٌ يَصْلُحُ لِلتَّرَجِّي وَطَلَبِ الْمَحْبُوبِ الْمُسْتَقْرَبُ حُصُولُهُ (إلَهَ) أَيْ رَبَّ (الْعَرْشِ) قَالَ فِي الْقَامُوسِ: وَمِنْهُ لَفْظُ الْجَلَالَةِ.
وَاخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى عِشْرِينَ قَوْلًا أَصَحُّهَا عَلَمٌ غَيْرُ مُشْتَقٍّ، يُقَالُ إلَهٌ كَفِعَالٍ بِمَعْنَى مَأْلُوهٍ وَكُلُّ مَا اُتُّخِذَ مَعْبُودًا إلَهٌ عِنْدَ مُتَّخِذِهِ، وَلَكِنْ لَيْسَ هُوَ إلَهٌ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ فَلَا إلَهَ مَعْبُودَ بِحَقٍّ إلَّا اللَّهُ الْغَنِيُّ عَنْ كُلِّ مَا سِوَاهُ، الْمُفْتَقِرُ إلَيْهِ كُلُّ مَا عَدَاهُ، وَالْعَرْشُ جِسْمٌ عَظِيمٌ وَهُوَ سَقْفُ الْجَنَّةِ فَهُوَ فَوْقَ السَّمَاءِ السَّابِعَةِ وَفَوْقَ الْجَنَّةِ، وَضَوْءُ الْجَنَّةِ مِنْ نُورِ الْعَرْشِ، وَالْأَخْبَارُ وَالْآثَارُ فِي الْعَرْشِ كَثِيرَةٌ جِدًّا.
وَقَدْ قَالَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: أَوَّلُ مَا خَلَقَ اللَّهُ الْعَرْشَ ثُمَّ خَلَقَ الْكُرْسِيَّ مِنْ نُورٍ يَتَلَأْلَأُ
[ ١ / ٣٩ ]
وَقِيلَ أَوَّلُ مَا خُلِقَ الْمَاءُ، وَلَعَلَّ الْمُرَادَ بَعْدَ نُورِ النَّبِيِّ - ﷺ - وَإِضَافَتُهُ إلَى الْإِلَهِ فِي كَلَامِ النَّاظِمِ كَمَا فِي الْأَحَادِيثِ الصِّحَاحِ «لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ» إضَافَةُ مَزِيدِ تَعْظِيمٍ وَتَفْخِيمٍ، وَإِلَّا فَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا دُونَ ذَلِكَ مَا فَوْقَ السَّمَوَاتِ وَتَحْتَ الْأَرْضِ (يَنْفَعُنَا) يَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ نَفْسَهُ وَإِخْوَانَهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ لَا سِيَّمَا أَهْلُ مَذْهَبِهِ، فَتَكُونُ الْكَلِمَةُ عَلَى حَقِيقَتِهَا، أَوْ أَرَادَ نَفْسَهُ فَتَكُونُ (نَا) لِلتَّعْظِيمِ، وَالْأَوَّلُ أَلْيَقُ بِقَالِهِ وَحَالِهِ وَالنَّفْعُ ضِدُّ الضُّرِّ، وَالِاسْمُ الْمَنْفَعَةُ.
وَالنَّفْعُ بِهَا يَكُونُ بِالْعَمَلِ وَالِاشْتِغَالِ بِهَا وَيَكُونُ بِمَا يَحْصُلُ لَهُ مِنْ الثَّوَابِ مِنْ أَجْلِ مَنْ قَرَأَهَا وَانْتَفَعَ بِهَا، فَقَدْ صَحَّ عَنْ النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّهُ قَالَ «إذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إلَّا مِنْ ثَلَاثٍ: عِلْمٌ يُنْتَفَعُ بِهِ مِنْ بَعْدِهِ، أَوْ وَلَدٌ صَالِحٌ يَدْعُو لَهُ، أَوْ صَدَقَةٌ جَارِيَةٌ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ.
وَقَدْ أَوْصَلَ السُّيُوطِيّ مَنْ يَجْرِي عَمَلُهُ عَلَيْهِ بَعْدَ مَوْتِهِ إلَى عَشْرٍ، وَزَادَ شَيْخُ مَشَايِخِنَا الْعَلَّامَةُ عَبْدُ الْبَاقِي الْأَثَرِيُّ الْحَنْبَلِيُّ عَلَيْهَا ثَلَاثَةً، وَنَظَمَهَا السُّيُوطِيّ فِي أَبْيَاتٍ فَغَيَّرَ بَعْضَهَا شَيْخُ مَشَايِخِنَا وَزَادَ الْأَخِيرَيْنِ فَقَالَ:
إذَا مَاتَ ابْنُ آدَمَ جَاءَ يَجْرِي عَلَيْهِ الْأَجْرُ عَدَّ ثَلَاثَ عَشْرَ
عُلُومٌ بَثَّهَا وَدُعَاءُ نَجْلٍ وَغَرْسُ النَّخْلِ وَالصَّدَقَاتُ تَجْرِي
وِرَاثَةُ مُصْحَفٍ وَرِبَاطُ ثَغْرٍ وَحَفْرُ الْبِئْرِ أَوْ إجْرَاءُ نَهْرِ
وَتَعْلِيمٌ لِقُرْآنٍ كَرِيمٍ شَهِيدٌ فِي الْقِتَالِ لِأَجَلِ بِرِّ
كَذَا مَنْ سَنَّ صَالِحَةً لِيُقْفَى فَخُذْهَا مِنْ أَحَادِيثَ بِشِعْرِ
وَقَدْ ذَكَرْت فِي كِتَابِي الْقَوْلِ الْعَلِيِّ فِي شَرْحِ أَثَرِ الْإِمَامِ عَلِيٍّ مِنْ فَضْلِ الْعِلْمِ وَتَعَلُّمِهِ وَتَعْلِيمِهِ مَا يَكْفِي وَيَشْفِي (بِهَا) أَيْ بِالْجُمْلَةِ الَّتِي يَنْظِمُهَا مِنْ الْأَدَبِ الْمَأْثُورِ، وَلَعَلَّ إلَهَ الْعَرْشِ (يُنْزِلُنَا) مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ سِيَّمَا الْمُعْتَنَيْنَ بِهَذِهِ الْآدَابِ الْمَأْثُورَةِ قِرَاءَةً وَكِتَابَةً وَحِفْظًا وَإِقْرَاءً وَغَيْرَ ذَلِكَ (فِي) يَوْمِ (الْحَشْرِ) أَيْ الْجَمْعِ.
وَيَعْنِي حَشْرَ الْخَلَائِقِ مِنْ قُبُورِهِمْ إلَى الْمَوْقِفِ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا كَمَا بَدَأَهُمْ اللَّهُ ﷾ أَوَّلَ مَرَّةٍ، وَتَدْنُو الشَّمْسُ مِنْهُمْ بِقَدْرِ مِيلٍ، وَيَشْتَدُّ الزِّحَامُ، وَتَشْخَصُ الْأَبْصَارُ، وَتَذْهَلُ كُلُّ وَالِدَةٍ عَنْ وَلَدِهَا، ﴿وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج: ٢]
فَفِي مِثْلِ تِلْكَ الْحَالَةِ الْمُتَحَقِّقَةِ الْوُقُوعِ لَا مَحَالَةَ تَظْهَرُ الْمَزَايَا وَتَعْظُمُ
[ ١ / ٤٠ ]
الرَّزَايَا، فَطَلَبَ النَّاظِمُ أَنْ يَكُونَ هُوَ وَإِخْوَانُهُ (فِي خَيْرِ مَقْعَدِ) أَيْ مَكَانِ الْقُعُودِ سَالِمِينَ مِنْ هَوْلِ الْمَوْقِفِ وَشِدَّةِ الْحِسَابِ، مُنْتَظِرِينَ الْإِذْنَ لِدُخُولِ الْجَنَّةِ وَفَتْحِ الْأَبْوَابِ، فَقَدْ رَوَى حَرْبٌ فِي مَسَائِلِهِ وَهُوَ مِنْ أَجِلَّاءِ أَصْحَابِ إمَامِنَا - ﵁ - مَرْفُوعًا إلَى النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ «يَجْمَعُ اللَّهُ تَعَالَى الْعُلَمَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ يَقُولُ يَا مَعْشَرَ الْعُلَمَاءِ إنِّي لَمْ أَضَعْ عِلْمِي فِيكُمْ إلَّا لِعِلْمِي بِكُمْ وَلَمْ أَضَعْ عِلْمِي فِيكُمْ لِأُعَذِّبَكُمْ، اذْهَبُوا فَقَدْ غَفَرْت لَكُمْ» .
قَالَ الْإِمَامُ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي مِفْتَاحِ دَارِ السَّعَادَةِ: وَهَذَا وَإِنْ كَانَ غَرِيبًا فَلَهُ شَوَاهِدُ حِسَانٌ، فَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دَاوُد قَالَ: إذَا كَانَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَزَلَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ الْعُلَمَاءَ عَنْ الْحِسَابِ فَيَقُولُ اُدْخُلُوا الْجَنَّةَ عَلَى مَا فِيكُمْ إنِّي لَمْ أَجْعَلْ عِلْمِي فِيكُمْ إلَّا لِخَيْرٍ أَرَدْتُهُ بِكُمْ.
قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَزَادَ غَيْرُهُ فِي هَذَا الْخَبَرِ أَنَّ اللَّهَ يَحْبِسُ الْعُلَمَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي زُمْرَةٍ وَاحِدَةٍ حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ وَيَدْخُلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ وَأَهْلُ النَّارِ النَّارَ ثُمَّ يَدْعُو الْعُلَمَاءَ فَيَقُولُ يَا مَعْشَرَ الْعُلَمَاءِ إنِّي لَمْ أَضَعْ حِكْمَتِي فِيكُمْ وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أُعَذِّبَكُمْ، قَدْ عَلِمْت أَنَّكُمْ تَخْلِطُونَ مِنْ الْمَعَاصِي مَا يَخْلِطُ غَيْرُكُمْ فَسَتَرْتهَا عَلَيْكُمْ وَغَفَرْتهَا لَكُمْ، وَإِنَّمَا كُنْت أُعْبَدُ بِفُتْيَاكُمْ وَتَعْلِيمِكُمْ عِبَادِي اُدْخُلُوا الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ ثُمَّ قَالَ لَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعَ اللَّهُ وَلَا مَانِعَ لَمَا أَعْطَى اللَّهُ.
قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَرُوِيَ نَحْوُ هَذَا الْمَعْنَى بِإِسْنَادٍ مُتَّصِلٍ مَرْفُوعٍ. وَقَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّهُ إذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ تُوضَعُ حَسَنَاتُ الرَّجُلِ فِي كِفَّةٍ وَسَيِّئَاتُهُ فِي كِفَّةٍ فَتَسِيلُ سَيِّئَاتُهُ، فَإِذَا أَيِسَ وَظَنَّ أَنَّهَا النَّارُ جَاءَ شَيْءٌ مِثْلُ السَّحَابِ حَتَّى يَقَعَ مَعَ حَسَنَاتِهِ فَتَسِيلَ حَسَنَاتُهُ، قَالَ فَيُقَالُ لَهُ أَتَعْرِفُ هَذَا مِنْ عَمَلِك؟ فَيَقُولُ لَا، فَيُقَالُ هَذَا مَا عَلَّمْت النَّاسَ مِنْ الْخَيْرِ فَعُمِلَ بِهِ مَنْ بَعْدَك.