؟
(تَنْبِيهَانِ):
(الْأَوَّلُ): ظَاهِرُ مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْأَحَادِيثِ أَنَّ الْهَجْرَ الْمُحَرَّمَ يَزُولُ بِالسَّلَامِ وَذَكَرَهُ فِي الْآدَابِ وَالرِّعَايَةِ وَالْمُسْتَوْعِبِ وَزَادَ وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَتْرُكَ كَلَامَهُ بَعْدَ السَّلَامِ عَلَيْهِ. وَرَوَى أَبُو حَفْصٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - مَرْفُوعًا «السَّلَامُ يَقْطَعُ الْهِجْرَانَ» وَذَكَر النَّوَوِيُّ أَنَّ مَذْهَبَ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَمَنْ وَافَقَهُمَا يَزُولُ الْهَجْرُ الْمُحَرَّمُ بِالسَّلَامِ. وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَابْنُ الْقَاسِمِ الْمَالِكِيُّ: إنْ كَانَ يُؤْذِيهِ لَمْ يَقْطَعْ السَّلَامُ هِجْرَانَهُ.
قَالَ الْأَثْرَمُ: سَمِعْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يُسْأَلُ عَنْ السَّلَامِ يَقْطَعُ الْهِجْرَانَ؟ فَقَالَ قَدْ يُسَلِّمُ عَلَيْهِ وَقَدْ صَدَرَ عَنْهُ. ثُمَّ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ - ﵁ - عَنْهُ: النَّبِيُّ - ﷺ - يَقُولُ «يَلْتَقِيَانِ فَيَصُدُّ هَذَا وَيَصُدُّ هَذَا» فَإِذَا كَانَ قَدْ عَوَّدَهُ أَنْ يُكَلِّمَهُ وَأَنْ يُصَافِحَهُ ثُمَّ قَالَ إلَّا أَنَّهُ مَا كَانَ مِنْ هِجْرَانٍ فِي شَيْءٍ يَخَافُ عَلَيْهِ فَهُوَ الْكُفْرُ فَهُوَ جَائِزٌ. ثُمَّ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: النَّبِيُّ - ﷺ - قَالَ فِي قِصَّةِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ حِينَ خَافَ عَلَيْهِمْ وَلَمْ يَدْرِ مَا يَقُولُ فِيهِمْ " لَا تُكَلِّمُوهُمْ " فَظَاهِرُ كَلَامِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ - ﵁ - أَنَّهُ لَا يَخْرُجُ مِنْ الْهِجْرَةِ بِمُجَرَّدِ السَّلَامِ بَلْ بِعَوْدِهِ إلَى حَالِهِ مَعَ الْمَهْجُورِ قَبْلَ الْهِجْرَةِ.
قَالَ الْقَاضِي: وَإِنَّمَا لَمْ يَجْعَلْهُ أَحْمَدُ خَارِجًا مِنْ الْهِجْرَةِ بِمُجَرَّدِ السَّلَامِ حَتَّى يَعُودَ إلَى عَادَتِهِ مَعَهُ فِي الِاجْتِمَاعِ وَالْمُؤَانَسَةِ، لِأَنَّ الْهِجْرَةَ لَا تَزُولُ إلَّا بِعَوْدَتِهِ مَعَهُ. انْتَهَى.
وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ لِلَّذِي تَشْتُمُهُ ابْنَةُ عَمِّهِ: إذَا لَقِيتَهَا سَلِّمْ عَلَيْهَا اقْطَعْ الْمُصَارَمَةَ. فَظَاهِرُ هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَنَّ السَّلَامَ يَقْطَعُهَا مُطْلَقًا. وَجَزَمَ بِهِ ابْنُ حَمْدَانَ وَالسَّامِرِيُّ وَغَيْرُهُمَا، وَقَطَعَ بِهِ فِي الْإِقْنَاعِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الثَّانِي): ظَاهِرُ كَلَامِ الْأَصْحَابِ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - أَنَّ الْهَجْرَ الْمُحَرَّمَ لَا يَزُولُ بِغَيْرِ مُشَافَهَةٍ، وَنَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ. قَالَ فِي الْآدَابِ الْكُبْرَى: وَيُتَوَجَّهُ عَلَى قَوْلِ مَنْ جَعَلَ مِنْ أَصْحَابِنَا الْكِتَابَةَ وَالْمُرَاسَلَةَ كَلَامًا أَنْ يَزُولَ الْهَجْرُ الْمُحَرَّمُ بِهَا. قَالَ ثُمَّ وَجَدْت ابْنَ عَقِيلٍ ذَكَرَهُ. وَلِلشَّافِعِيَّةِ وَجْهَانِ.
قَالَ النَّوَوِيُّ: أَصَحُّهُمَا يَزُولُ لِزَوَالِ الْوَحْشَةِ. انْتَهَى. وَظَاهِرُ كَلَامِ سَيِّدِنَا
[ ١ / ٢٧٤ ]
الْإِمَامِ أَحْمَدَ أَنَّهُ يَزُولُ. قَالَ ابْنُ رَزِينٍ فِي مُخْتَصَرِهِ فِيمَا لَوْ حَلَفَ أَنْ لَا يُكَلِّمَهُ فَكَتَبَ أَوْ أَرْسَلَ إلَيْهِ، نَصَّ أَحْمَدُ عَلَى أَنَّهُ يُنْظَرُ إلَى سَبَبِ يَمِينِهِ، فَإِنْ كَانَ نِيَّتُهُ أَوْ سَبَبُ يَمِينِهِ يَقْتَضِي هِجْرَانَهُ وَتَرْكَ صِلَتِهِ حَنِثَ. انْتَهَى. فَدَلَّ هَذَا عَلَى أَنَّ الْكِتَابَةَ وَالْمُرَاسَلَةَ كَلَامٌ، وَاَللَّهُ تَعَالَى الْمُوَفِّقُ لِكُلِّ خَيْرٍ.
وَلَمَّا تَمَّمَ الْكَلَامَ عَلَى أَحْكَامِ الْهَجْرِ وَالِانْصِرَامِ أَعْقَبَ ذَلِكَ فِي النِّظَامِ بِذِكْرِ السَّلَامِ فَقَالَ: