أخي المسلم:
كما أنَّ الأرض تحيا بنزول الغيث فتخرج نباتها وتُزهر، كذلك القلوب تحيا بذكر الله تعالى؛ فيصفو القلب وتصلح الجوارح، وللذِّكر أثرٌ عجيب على القلوب، وهو دواءٌ ناجحٌ لأمراض القلوب وآفاتها.
قال ابن القيم:
«إنَّ في القلب قسوةً لا يُذيبها إلا ذكر الله تعالى، فينبغي للعبد
_________________
(١) رواه البخاري.
[ ١٤ ]
أن يداوي قسوة قلبه بذكر الله تعالى، وذكر حماد بن زيد عن المعلى بن زياد أنَّ رجلًا قال للحسن: يا أبا سعيد، أشكو إليك قسوة القلب! .. قال: «أَذِبْه بالذِّكر»، وهذا لأنَّ القلب كلَّما اشتدَّت به الغفلة اشتدَّت به القسوة، فإذا ذُكر الله تعالى ذابت تلك القسوة كما يذوب الرصاص في النار! .. فما أذيبت قسوة القلوب بمثل ذكر الله تعالى.
فالذِّكر حياةٌ للقلوب، وبدونه يكون صاحبه في جملة الأموات!
وموت القلوب أسوأ موت؛ فإنَّ القلب إذا مات فسد أمر العبد كلِّه!
قال رسول الله - ﷺ -: «مثل الذي يذكر ربَّه، والذي لا يذكر ربه؛ مثل الحيِّ والميت!» (١).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «الذِّكر للقلب مثل الماء للسمك، فكيف حال السمك إذا فارق الماء؟ !».
وهذا مثلٌ رائع ضربه شيخ الإسلام ابن تيمية لحال القلب مع ذِكر الله تعالى، ويؤيِّده الحديث السابق.
ولتعلم أخي المسلم أنَّ ذكر الله تعالى عصمةٌ من الشيطان؛ فهو حصنٌ للقلب من وسوسة الشيطان وإغوائه.
قال عبد الله بن شقيق: «ما من آدميٍّ إلاَّ لقلبه بيتان؛ في أحدهما الملك، وفي الآخر الشيطان. فإذا ذكر الله خنس، وإذا لم
_________________
(١) رواه البخاري ومسلم.
[ ١٥ ]
يذكر الله وضع الشيطان منقاره في قلبه ووسوس له».
وذِكر الله تعالى جلاءٌ للقلوب من أدرانها، وهو صابون القلوب الذي ما غُسلت القلوب بمنظِّفٍ أقوى منه!
قال أبو الدرداء ﵁: «لكلِّ شيء جلاء، وإنَّ جلاء القلوب ذِكر الله ﷿» ..
فلو تعهَّد الغافلون قلوبهم بذكر الله تعالى لاستقامت، ولوجد أصحابها ثمرات ذلك!
ولا تنس أخي المسلم أنَّ ذِكر الله علاج لنفاق القلوب وأمان من أدوائه ..
قال كعب بن مالك ﵁: «من أكثر ذكر الله برئ من النفاق».
وقال ابن القيم: «إنَّ كثرة ذِكر الله ﷿ أمانٌ من النفاق، فإنَّ المنافقين قليلو الذِّكر لله ﷿ .. قال الله ﷿ في المنافقين ﴿وَلَا يَذْكُرُونَ اللهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾.
أخي المسلم:
إنَّ همَّ الكثيرين اليوم هو حياة أبدانهم؛ فتراه يكدُّ ويجتهد لتحصيل معاشه، فهو ساعً في ليله ونهاره في تحصيل اللقمة والتي هي حياة للبدن».
ولكن أين هذا المسكين من الاجتهاد في تحصيل غذاء الرُّوح؟ !
أين هو من ذِكر الله تعالى الذي به حياته الحقيقية؟ !
[ ١٦ ]
قليلٌ أولئك الذين اجتهدوا في تحصيل حياة قلوبهم!
وأمَّا الأكثرون فتراهم غافلين، مُعرضين عن أسباب حياة القلوب؛ فأورثهم ذلك أمراض القلوب وأصابها من غفلةٍ وإعراضٍ عن ذكر الله تعالى وحبٍّ للدنيا وطولٍ للأمل!
فالزم أخي ذكر الله تعالى ليحيا قلبك؛ فإنَّ ذكر الله نعم الغيث لقلبك ونعم القرين، فأنت بذكره تعالى حيٌّ، منشرح الصدر، مطمئنُّ النفس، قريبٌ من الله تعالى.
وأما أنت بغير ذكره ﷿ فميت، ضيِّق الصدر، قلق النفس، غافلٌ عن سرِّ سعادتك .. سرور النفس وانشراح الصدر، الغنيمة الغالية التي يفوز بها الذين يذكرون الله تعالى، فلا تكوننَّ أخي من المضيِّعين لهذه الغنيمة!
فسارع وبادر إلى حياة قلبك وربيع صدرك «ذكر الله تعالى»؛ لتكون من الأحياء حقيقة!