أخي المسلم:
إنَّ الغفلة شرُّ داءٍ سيطر على القلوب .. فبينما ترى أهل الذِّكر يتنعَّمون بذِكر الله تعالى ويتلذَّذون بمناجاته، ترى أهل الغفلة لاهين في غيِّهم وضلالهم، فهم في شقاءٍ ببريق السعادة الكاذبة!
أهل الذِّكر حَييتْ قلوبهم وانتعشت.
وأهل الغفلة ماتت قلوبهم .. وتعثرت!
[ ١٧ ]
فإذا أصبح أهل الذِّكر وقد رطَّبوا ألسنتهم بذكر الله تعالى أصبح أهل الغفلة وقد ملئوا أفواههم باللغو والباطل!
قال نصر بن محمد السمرقندي: «ويقال: الناس يُصبحون على ثلاثة أصناف: صنفٌ في طلب المال، وصنفٌ في طلب الإثم، وصنفٌ في طلب الطريق .. فأما من أصبح في طلب المال فإنه لا يأكل فوق ما رزقه الله تعالى وإن أكثر المال، ومن أصبح في طلب الإثم لحقه الهوان والإثم، ومن أصبح في طلب الطريق آتاه الله تعالى الرزق والطريق!».
والغافلون عن ذِكر الله فقدوا حظَّهم من الحياة الحقيقية، وأضاعوا نصيبهم من ثواب الله الوفير!
وقد شبَّه النبي - ﷺ - حال الغافلين بأسوأ مثال!
قال رسول الله - ﷺ -: «ما من قومٍ يقومون من مجلسٍ لا يذكرون الله فيه؛ إلاَّ قاموا عن مثل جيفة حمار! وكان لهم حسرة» (١).
أخي المسلم:
هذا مثل ضربه النبيُّ - ﷺ - لأولئك الذين يجتمعون لغير ذكر الله تعالى، وهو تنفيرٌ شديدٌ عن مجالس الغفلة، والتي يخوض أهلها في اللغو من القول.
وقال النبي - ﷺ -: «ما جلس قومٌ مجلسًا لم يذكروا الله فيه، ولم
_________________
(١) رواه مسلم.
[ ١٨ ]
يصلُّوا على نبيهم؛ إلاَّ كان عليهم ترة، فإن شاء عذبهم، وإن شاء غفر لهم» (١).
وقد أخبرنا النبي - ﷺ - أن هذه الحسرة تلزم أهلها وإن دخلوا الجنة!
قال - ﷺ -: «لا يجلس قوم مجلسًا لا يصلون فيه على رسول الله - ﷺ - إلا كان عليهم حسرة، وإن دخلوا الجنة! لما يرون من الثواب» (٢).
قال عمرو مولى غفرة: «إذا انكشف الغطاء للناس يوم القيامة عن ثواب أعمالهم، لم يروا عملًا أفضل ثوابًا من الذِّكر، فيتحسَّر عند ذلك أقوام فيقولون: ما كان شيءٌ أيسر علينا من الذِّكر».
أخي المسلم:
الغفلة داءٌ خطيرٌ وشرٌّ مستطيرٌ؛ فاحذر داءها، فكم أهلكت من خلائق!
وإذا غفل القلب عن ذكر الله تعالى استوحش الطاعات وابتعد عن طريق الصالحات!
قال ابن القيم: «على قدر غفلة العبد عن الذِّكر يكون بُعده عن الله».
وقال أيضًا: «إنَّ الغافل بينه وبين الله ﷿ وحشة، لا تزول
_________________
(١) رواه أبو داود والترمذي واللفظ له/ صحيح الترغيب والترهيب للألباني (١٥١٢).
(٢) رواه النسائي وأحمد والحاكم/ صحيح الجامع (٧٦٢٤).
[ ١٩ ]
إلاَّ بالذِّكر».
مساكين أهل الغفلة، كم حُرموا من خيرات، وكم غفلوا عن لذَّات! .. ذكر الله أحلى ما تلذَّذت به القلوب، وأجمل ما تزيَّنت به النفوس .. فأين الغافلون من هذه الخيرات؟ ! وأين هم من هذه الغنائم النادرة؟ ! شغلتهم الدنيا عن أفضل المطالب، وأهلكتهم بشهواتها! فتأمل في حالك أيها الغافل، واعلم أنَّ الموت آتٍ عن قريب!
قال سلمان الفارسي ﵁: «ثلاث أعجبتني حتى أضحكتني: مؤمل الدنيا والموت يطلبه! وغافل ليس يُغفل عنه! وضاحك ملء فيه ولا يدري أساخطٌ ربُّ العالمين عليه أم راضٍ»!
فيا من غفلت عن ذكر الله تعالى، اعلم أنك لن تجد لقلبك دواءً أنفع من الذِّكر؛ فلتسعَ إلى إصلاح حالك بملازمة ذِكر الله تعالى ومناجاته؛ لتكون من أولئك المتلذِّذين بحلاوة الذِّكر!
واعلم أنَّ الموت من ورائك، فلا تأمننَّ نزوله بغتة. فتخسر الساعات، ويُحال بينك وبين الطاعات .. فلا تغرنَّك الدنيا ببهجتها، ولا تخدعنَّك بزخرفها!
يَا أيُهَا الذي قد غرَّه الأملُ ودون ما يأمل التنغيصُ والأجلُ
ألا تَرى أنما الدنيا وزينتهَا كمنزل الرَكب دار ثمة ارتحلُوا
[ ٢٠ ]
تظل تُفزع في الرَّوعات سَاكنَها فما يسوغُ له لينٌ ولا جَذَلُ
المرءُ يشقَى بما يسعَى لوَارثِه والقبرُ وارثُ ما يسعى له الرجلُ