إن الفتور وضعف الهمة من الأمراض التي تكاد تعصف بالكثير منا، فلا تكاد تجد من يحافظ على شيء، أو يهتم به - إلا من رحم الله _، فما أن يمسك المرء المصحف يومًا حتى يتركه أيامًا.
قال الإمام ابن القيم - ﵀ - في شأن ضعيف الهمة: (لا شيء أقبح بالإنسان أن يكون غافلًا عن الفضائل الدينية، والعلوم النافعة، والأعمال
_________________
(١) رياض الصالحين للإمام النووي (١٨) دار الفيحاء بدمشق، دار السلام بالرياض الطبعة الثالثة عشر حققه عبد العزيز رباح وأحمد يوسف الدقاق وراجعه الشيخ شعيب الأرناؤوط.
[ ٤٤ ]
الصالحة، فمن كان كذلك فهو من الهمج الرعاع، الذين يكدرون الماء، ويغلون الأسعار، إن عاش عاش غير حميد، وإن مات مات غير فقيد، فقدهم راحة للبلاد والعباد، ولا تبكي عليهم السماء، ولا تستوحش لهم الغبراء) وقال أيضًا: (وهذا الصنف شر البرية، رؤيتهم قذى العيون، وحمى الأرواح، وسقم القلوب، يضيقون الدار، ويغلون الأسعار، لا يستفاد من صحبتهم إلا العار والشنار، وعند أنفسهم أنهم يعلمون ولكن ظاهرًا من الحياة الدنيا، وهم عن الآخرة غافلون، ويعلمون ولكن ما يضرهم ولا ينفعهم، وينطقون ولكن عن الهوى ينطقون، ويتكلمون ولكن بالجهل يتكلمون ..) (١).
ومن الأدوية النبوية لعلاج ضعف الهمة: المداومة على الأعمال الصالحة والاستمرار عليها وإن قلت.
عن عائشة - ﵂ - أن النبي - ﷺ - دخل عليها وعندها امرأة فقال: «مَنْ هذه؟» قالت: فلانة تذكر من صلاتها. قال: «مه، عليكم بما تطيقون، فوالله لا يمل الله حتى تملوا» وكان أحب الدين إليه ما داوم عليه صاحبه (٢).
قال الإمام النووي - ﵀ -: بدوام القليل تستمر الطاعة بالذكر والمراقبة والإخلاص والإقبال على الله، بخلاف الكثير الشاق حتى ينمو القليل الدائم بحيث يزيد على الكثير المنقطع أضعافًا كثيرة.
_________________
(١) مفتاح دار السعادة للإمام ابن القيم (١/ ١٣٤) نقلًا عن كتاب علو الهمة للشيخ الفاضل محمد بن أحمد بن إسماعيل - حفظه الله - وننصح بقراءته فإنه كتاب نافع ومفيد.
(٢) رواه البخاري (ح٤٣) كتاب الإيمان: باب (أحب الدين إلى الله أدومه).
[ ٤٥ ]
وقال الإمام ابن الجوزي - ﵀ -: إنما أحب الدائم لمعنيين:
أحدهما: أن التارك للعمل بعد الدخول فيه كالمعرض بعد الوصل، فهو متعرض للذم، ولهذا ورد الوعيد في حق من حفظ آية ثم نسيها (١)، وإن كان قبل حفظها لا يتعين عليه.
ثانيهما: أن مداومة الخير ملازم للخدمة، وليس مَنْ لازم الباب في كل يوم وقتًا ما كمَنْ لازم يومًا كاملًا ثم انقطع. وزاد المصنف ومسلم من طريق أبي سلمة عن عائشة أن رسول الله ﷺ سئل أي الأعمال أحب إلى الله؟ قال: «ما دووم عليه وإن قل» (٢)