عن عبد الله بن عمرو - ﵄ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «يقال لصاحب القرآن اقرأ، وارتق، ورتل كما كنت ترتل في الدنيا، فإن منزلتك عند آخر آية تقرأها» (٢).
قال الإمام الخطابي: وجاء في الأثر (أن عدد آي القرآن على قدر درج الجنة) فيقال للقارئ: ارتق في الدرج على قدر ما كنت تقرأ من آي القرآن، فمن استوفى قراءة جميع القرآن استولى (٣) على أقصى درج الجنة في الآخرة، ومن قرأ جزءًا منه، كان رقيه في الدرج على قدر ذلك، فيكون منتهى الثواب عند منتهى القراءة) (٤).
عن أبي أمامة - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «اقرءوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعًا لأصحابه» (٥).
_________________
(١) (إسناده صحيح) أخرجه أبو داود والنسائي والبيهقي وأحمد وابن ماجه مختصرًا وقال الترمذي: حسن صحيح، وإسناده صحيح كما قال الترمذي وهو على شرط الشيخين. قاله الألباني في أحكام الجنائز ص (١٤٣) طبعة المكتب الإسلامي.
(٢) (حديث صحيح) رواه الترمذي (٢٩١٥) وأبوداود وابن ماجة وابن حبان في صحيحه وقال الترمذي: حديث صحيح. وصححه الألباني في صحيح الجامع (٨١٢٢) وصحيح أبي داود (١٣١٧).
(٣) الأولى أن يعبر بلفظ الحديث (ارتقى)؛ لأن كلمة (استولى) توحي بالقهر والغلبة والاستيلاء، وأهل الجنة ليسوا كذلك والله أعلم.
(٤) الترغيب والترهيب (٢/ ٣١٥) طبعة الريان، وتحفة الأحوذي (٨/ ١٨٧) طبعة دار الكتب العلمية، وقال الألباني: (وجملة القول أن إسناد هذا الأثر ضعيف والله أعلم). الصحيحة (٥/ ٢٨٣) طبعة مكتبة المعارف.
(٥) رواه مسلم (٨٠٤).
[ ٧٧ ]
عن عبد الله بن عمر - ﵄ - أن النبي - ﷺ - قال: «الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة، يقول الصيام: أي رب منعته الطعام والشهوات بالنهار، فشفعني فيه، ويقول القرآن: أي رب منعته النوم بالليل، فشفعني فيه قال: فيشفعان» (١).
عن النواس بن سمعان - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «يؤتى يوم القيامة بالقرآن وأهله الذين يعملون به في الدنيا تقدمه سورة البقرة وآل عمران تحاجان عن صاحبهما» (٢).
تفكر - أخي الحبيب - في يوم القيامة وبخاصة في ذل الخلائق وانكسارهم واستكانتهم انتظارًا لما يقضى عليهم من سعادة أو شقاوة، وأنت فيما بينهم منكسرًا كانكسارهم، متحيرًا كتحيرهم، فكيف حالك وحال قلبك هنالك وقد بُدِّلت الأرض غير الأرض والسموات، وطمس الشمس والقمر، وأظلمت الأرض، واشتبك الناس وهم حفاة عراة غرلًا، وازدحموا في المواقف شاخصة أبصارهم، منفطرة قلوبهم، فتأمل يا مسكين! في طول هذا اليوم وشدة الانتظار فيه والخجل والحياء من الافتضاح عند العرض على الجبار تعالى، وأنت عارٍ مكشوف ذليل متحير مبهوت منتظر ما يجرى عليك القضاء بالسعادة والشقاوة، وأعظم بهذه الحال فإنها عظيمة، واستعد لهذا اليوم العظيم شأنه، والقاهر سلطانه، القريب
_________________
(١) (حديث حسن الإسناد) رواه أحمد (٦٦٢٦) وسنده ضعيف ولكن رواه الحاكم وصححه على شرط مسلم ووافقه الذهبي وقال الألباني: (وقد وهما فإن شيخ ابن وهب وكذا ابن لهيعة فيه حيي بن عبد الله ولم يخرج له مسلم شيئًا ثم إنه تكلم فيه بعضهم بما لا ينزل حديثه عن رتبه الحسن إن شاء الله، وجملة القول: أن الحديث حسن الإسناد، والله أعلم) تمام المنة ص (٣٩٤/ ٣٩٥)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٩٧٣).
(٢) رواه مسلم (٨٠٥). تقدمه: تسبقه، تحاجان: تشفعان.
[ ٧٨ ]
أوانه، يوم تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد (١).
وفي أثناء هذه الشدائد العظام كأني بسورة البقرة وآل عمران تأتيان في صورة سحابة عظيمة تظلان صاحبهما، وكأني بالقرآن يجيء يوم القيامة كالرجل الشاحب (٢)، يأتي وقد أخذ بيد صاحبه ليشفع له عند الله ويقول يا رب إني أشهد لهذا الرجل بالصلاح والتقى، فقد كان في الدنيا لا يشغله شيء عن ذكرك وتلاوة كتابك، فقد كان يتلوه آناء الليل وأطراف النهار على الوجه الذي يرضيك، يا رب لقد منعته من النوم بالليل فشفعني فيه، وعندها يأذن الله - جل وعلا - للقرآن أن يشفع في صاحبه في تلك اللحظات التي يتخلى فيها عن الإنسان أقرب الناس إليه ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ (٣٤ - ٣٧) سورة عبس.
فيا حسرة على أولئك المحرومين الذين حرمهم الله من شفاعة القرآن لأنهم حرموا أنفسهم من تلاوته في الدنيا، فالجزاء من جنس العمل، ولا يظلم ربك أحدًا.
_________________
(١) البحر الرائق في الزهد والرقائق لأحمد فريد ص (٢٨٨).
(٢) عن بريدة بن الحصيب مرفوعًا بلفظ (يجيء القرآن يوم القيامة كالرجل الشاحب فيقول لصاحبه أنا الذي أسهرت ليلك وأظمأت هواجرك) رواه الدارمي وابن ماجة وأحمد وابن عدي والحاكم وقال: صحيح على شرط مسلم، وقال البوصيري في الزوائد: إسناده صحيح، قال الألباني: (لكن الحديث حسن أو صحيح فإن له شاهدًا) راجع السلسلة الصحيحة (٢٨٢٩).
[ ٧٩ ]