قال العلامة محمد ناصر الدين الألباني - ﵀ -:
(وقراءة القرآن عند زيارة المقابر، أو عندها، لا أصل له في السنة، إذ لو كانت القراءة مشروعة لفعلها رسول الله - ﷺ - وعلمها أصحابه، لاسيما وقد سألته عائشة - ﵂ - وهي من أحب الناس إليه، عما تقول إذا زارت المقابر، فعَلَّمها السلام والدعاء، ولم يعلمها أن تقرأ الفاتحة أو غيرها من القرآن؛ فلو أن القراءة كانت مشروعة لما كتم ذلك عنها، كيف وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز كما تقرر في علم الأصول، فكيف بالكتمان، ولو أنه - ﷺ - علَّمهم شيئًا من ذلك لنُقِلَ إلينا، فإذ لم ينقل بالسند الثابت دل على أنه لم يقع.
ومما يقوي عدم المشروعية قوله - ﷺ -: «لا تجعلوا بيوتكم مقابر، فإن الشيطان يفر من البيت الذي يقرأ فيه سورة البقرة» (١) فقد أشار - ﷺ - إلى أن القبور ليست موضعًا للقراءة شرعًا، فلذلك حض على قراءة القرآن في البيوت، ونهى عن جعلها كالمقابر التي لا يقرأ فيها، كما أشار في الحديث الآخر إلى أنها ليست موضعًا للصلاة أيضًا، وهو قوله: «صلوا في بيوتكم ولا تتخذوها قبورًا» (٢)، أخرجه مسلم وغيره عن ابن عمر، وهو عند البخاري بنحوه، وترجم له بقوله: (باب كراهية الصلاة في المقابر) فأشار به إلى أن حديث ابن عمر يفيد كراهة الصلاة في المقابر، فكذلك حديث أبي هريرة يفيد كراهة قراءة القرآن في المقابر ولا فرق.
ولذلك كان مذهب جمهور السلف كأبي حنيفة ومالك وغيرهم كراهة القراءة
_________________
(١) رواه مسلم (٧٨٠) والترمذي (٢٨٨٠).
(٢) أخرجه مسلم (٢/ ١٨٧) وغيره عن ابن عمر.
[ ٥٨ ]
عند القبور، وهو قول الإمام أحمد، فقال أبو داود في مسائله (١): وسمعت أحمد سئل عن القراءة عند القبر؟ فقال: لا. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية (٢): (ولا يحفظ عن الشافعي نفسه في هذه المسألة كلام، وذلك لأن ذلك كان عنده بدعة، وقال مالك: ما علمت أحدًا يفعل ذلك، فعُلِمَ أن الصحابة والتابعين ما كانوا يفعلونه).
وقال شيخ الإسلام (٣): (والقراءة على الميت بعد موته بدعة، بخلاف القراءة على المحتضر فإنها تستحب بـ يس).
قال الألباني: لكن حديث قراءة (يس) ضعيف، والاستحباب حكم شرعي، ولا يثبت بالحديث الضعيف كما هو معلوم من كلام ابن تيمية نفسه في بعض مصنفاته) (٤).
قال الإمام ابن القيم - ﵀ -: (ولم يكن - ﷺ - يجلس يقرأ عند القبر، ولا يلقن الميت كما يفعله الناس اليوم - ثم ذكر حديث التلقين وبين ضعفه -) (٥).
وقال أيضًا: (هديه - ﷺ - تعزية أهل الميت، ولم يكن من هديه أن يجتمع للعزاء، ويقرأ له القرآن، لا عند قبره، ولا غيره، وكل هذا بدعة حادثة مكروهة) (٦).
_________________
(١) ص (١٥٨).
(٢) اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم ص (١٨٢).
(٣) الاختيارات العلمية ص (٥٣).
(٤) أحكام الجنائز وبدعها للألباني ص (٢٤١ - ٢٤٣) طبعة مكتبة المعارف بالرياض.
(٥) زاد المعاد (١/ ٥٢٢).
(٦) المرجع السابق (١/ ٥٢٧).
[ ٥٩ ]