(إن عدم المنهجية في طلب العلم لدى كثير من طلاب العلم، وعدم التلقي عن العلماء؛ أدى إلى ذلك التخبط، وذلك الغبش الذي أصاب الكثير منهم، حتى قدموا كلام البشر على كلام رب البشر، وأقبلوا على حفظ المتون في شتى الفنون، وما حفظوا كلام الله الذي هو أساس العلوم، وما هكذا فعل السلف الصالح، ولا هذه طريقتهم في طلب العلم) (٣).
_________________
(١) قلنا: الحديث الوارد في ذلك ضعيف. عن أنس مرفوعًا: «عُرضت عليَّ أجور أمتي، حتى القذاة يخرجها الرجل من المسجد، وعرضت عليَّ ذنوب أمتي، فلم أر ذنبًا أعظم من سورة من القرآن، أو آية أوتيها رجل ثم نسيها». راجع ضعيف الترمذي (٥٥٨) وضعيف أبي داود (٧١، ٣١٧) وكذلك ضعيف الجامع (٥١٥٣).
(٢) فتح الباري للإمام الحافظ ابن حجر - ﵀ - (١/ ١٢٧) طبعة الريان.
(٣) الكلمات الحسان فيما يعين على الحفظ والانتفاع بالقرآن لمحمد بن مصطفى بن أحمد بن شعيب ص (٥) طبعة مكتبة آل ياسر، الطبعة الأولى.
[ ٤٦ ]
دخل أحد فقهاء مصر على الإمام الشافعي - ﵀ - في المسجد وبين يديه المصحف، فقال له الشافعي: (شغلكم الفقه عن القرآن! إني لأصلي العتمة وأضع المصحف في يدي فما أطبقه حتى الصبح) (١).
قال شعبة بن الحجاج - ﵀ - لأصحاب الحديث: (يا قوم إنكم كلما تقدمتم في الحديث تأخرتم في القرآن) (٢).
وقال الشيخ العلامة محمد بن صالح بن عثيمين - ﵀ -: (الذي أرى في طلب العلم أن يبدأ الإنسان ولاسيما الشاب الصغير بحفظ القرآن العظيم قبل كل شيء، أرأيت لو أنك تكلمت في مجمع وتريد أن تستدل بالقرآن، وأنت لم تحفظه؛ إنك لا تتمكن من الاستدلال بالقرآن) (٣).
سُئِلَ شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ - عن الذي يقدم في الطلب حفظ القرآن أو العلم؟
فأجاب: (أما العلم الذي يجب على الإنسان عينًا كعلم ما أمر الله به، وما نهى الله عنه، فهو مقدم على حفظ ما لا يجب من القرآن، فإن طلب العلم الأول واجب، وطلب الثاني مستحب، والواجب مقدم على المستحب، وأما طلب حفظ القرآن: فهو مقدم في التعليم في حق من يريد أن يتعلم علم الدين من الأصول والفروع، فإن المشروع في حق مثل هذا في هذه الأوقات أن يبدأ بحفظ القرآن،
_________________
(١) البرهان في علوم القرآن للإمام الزركشي (١/ ٥٤٥) طبعة دار الفكر، الطبعة الأولى.
(٢) سير أعلام النبلاء للحافظ الذهبي (٧/ ٢٢٣).
(٣) الصحوة الإسلامية ضوابط وتوجيهات لابن عثيمين، إعداد وترتيب أبوأنس علي بن حسين أبولوز ص (٩٦) طبعة دار المجد.
[ ٤٧ ]
فإنه أصل علوم الدين، بخلاف ما يفعله كثير من أهل البدعة من الأعاجم وغيرهم، حيث يشتغل أحدهم بشيء من فضول العلم: من الكلام، أو الجدال والخلاف، أو الفروع النادرة، أو التقليد الذي لا يحتاج إليه، أو غرائب الحديث التي لا تثبت ولا ينتفع بها، وكثير من الرياضات التي لا تقوم عليها حجة، ويترك حفظ القرآن الذي هو أهم من ذلك كله، فلابد في هذه المسألة من التفصيل، والمطلوب من القرآن هو فهم معانيه، والعمل به، فإن لم تكن هذه همة حافظه لم يكن من أهل العلم والدين) (١).