قال الشيخ بكر بن عبد الله أبوزيد - ﵀ -:
(فاعلم أنه في عصرنا بدت ظاهرة عجيبة، لدى بعض القراء إذ أخذوا في التقليد والمحاكاة على سبيل الإعجاب والتلذذ، وتلقنه الطلاب وهم في دور التلقي ثم سرت هذه العادة فَتَكَوَّن من هذه الظاهرة ظاهرة المحاكاة والتقليد في الصوت، كل بحسب من أعجبه صوته، فعمروا المحاريب بالتقليد، وهم وقوف بين يدى الله تعالى، يؤمون المصلين، ليحرك الإمام نفوس المأمومين بصوت غيره، ويتلذذ السامعون بحسن أدائه فيه، بل وصل الحال إلى أن الإمام في التراويح، قد يقلد صوتين، أو ثلاثة، وهكذا، وقد سمعت في هذا عجبا، وصدق أبوالطيب المتنبي:
وأسرعُ مفعولٍ فعلت تغيرًا تكلف شيء في طباعك ضده
_________________
(١) تفسير ابن كثير (٣/ ١٧٤) طبعة المكتبة القيمة ولقد ألفت في الوسائل المعينة على حفظ القرآن وتعاهده الكثير من الكتب منها:
(٢) قصد السبيل إلى الجنان ببيان كيف تحفظ القرآن - إبراهيم عبد المنعم الشربيني.
(٣) الكلمات الحسان فيما يعين على الحفظ والانتفاع بالقرآن - محمد بن مصطفى.
(٤) الإيقاظ لتذكير الحفاظ بالآيات المتشابهة الألفاظ - جمال بن عبد الرحمن.
(٥) عون الرحمن أبوذر القلموني.
(٦) كيف تحفظ القرآن؟ د. عبد الرب نواب الدين.
[ ١٢٠ ]
وحيث إن هذا أمر إضافي في عبادة، والعبادات سبيلها الوقف على النص ومورده، بل هنا في أفضل الكلام (القرآن الكريم) وفي أفضل العبادات العملية (الصلاة) والمسلم مطالب بأن لا يعبد الله إلا بما شرع، فالسؤال الوارد إذًا: ما حكم التعبد بتقليد صوت القارئ هل هو مطلوب شرعًا أو غير مطلوب؟ وإذا كان مطلوبًا فما دليله؟ وما منزلته من قسمي الطلب: الوجوب والندب؟ وإن لم يكن مطلوبًا فما حكمه؟ وما موقعه من قسمي النهي: التحريم والكراهة؟
والجواب:
أن مجرد الصوت حسنًا أو غير حسن، لم يعلق الله عليه حكمًا، لا مدحًا، ولا ذمًا، بل لا يجوز فيه ذمه إذا كان غير حسن، لأنه خلق الله، ولا اختيار للعبد فيه، وأن الصوت الطبيعي الحسن، نعمة على العبد، وأن النعم محن، فإن استعمله في الطاعة في قراءة كتاب الله تعالى كان ذلك أمرًا مرغوبًا فيه شرعًا، واستماعه مرغوب شرعًا، لا لذات الصوت لكن، لأنه يحمل كلام الله، ويحببه إلى النفوس ويوصل معانيه إلى القلوب، وأن من كان كذلك لم يمنحه الشرع حكمًا مستقلًا لذات الصوت دون غيره. وأن تحريك الصوت للإنسان أمر طبعي، كما يتحرك كل إلى ما يناسبه من الأصوات وإنما التعبد أن يتحرك العبد إلى كلام الله وما فيه من العظة والعبرة، والتذكير بالمصير، وبالجنة والنار، وعظيم الحِكَم والأحكام، أما لو تحرك عند قراءة القرآن طربًا لمجرد حسن الصوت، دون ما يحمله من آيات القرآن الكريم، فهذا عشق مجرد من التعبد، لعدم ورود أمر التعبد عليه في الشرع المطهر.
وإذا استقر عندك هذا المحصول الجامع لأحكام الصوت الحسن، بقي الوقوف على حكم هذه الظاهرة الحادثة:
[ ١٢١ ]
(الافتتان بتقليد أصوات القراء، والقراءة بها في المحاريب بين يدى الله تعالى) عندئذ نقول:
١ - هذا أمر إضافي إلى التعبد في القراءة، فهذا التقليد (عبادة) ومعلوم أنه قد وجد المقتضي لهذا في عصر النبي - ﷺ -، وعصر صحابته - ﵃ - فلم يُعلم العمل به عند أحد منهم - ﵃ - وقد عُلم في (الأصول): (أن ترك العمل بالشيء في عصر النبي - ﷺ - مع وجود المقتضى له يدل على عدم المشروعية).
فالصوت الحسن في القراءة موجود في عصر النبي - ﷺ -، ورأس الأمة في هذا نبينا ورسولنا محمد - ﷺ - فهذا المقتضى موجود، ولم يُعلم أن أحدًا تقرب إلى الله بتقليد صوت النبي - ﷺ - أو أحد من صحابته، ولا من بعدهم، وهكذا. فدل هذا على عدم مشروعية هذا التقليد، وعُلِمَ به أن التقرب إلى الله تعالى بذلك التقليد والمحاكاة لأصوات القراء أمر مهجور، فالتعبد به أمر مُحْدَث، وقد نُهِينَا عن الإحداث في الدين.
وقاعدة الشرع: أن كل أمر تعبدي مُحْدَث فهو: بدعة وكل بدعة ضلالة، وأن الشغف والتدين بحسن الصوت فحسب، والتلذذ به، كالتدين بعشق الصور، فهما في الابتداع والتحريم سواء.
بل يضاف إلى المحاكاة للصوت الحسن، وأن فيها نوع تبعية مُذلة، والشرع يبني في النفوس: العزة، والكرامة، وترقية العقول، واستقلالها، وتمحض متابعتها لهدي النبوة لا غير.
٣ - والشرع يدعو إلى تحسين القارئ صوته، وهذا أمر مشروع في حق مَنْ يملكه، ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها، وتطلبه بالتقليد والمحاكاة، تكليف بما لا
[ ١٢٢ ]
يسع العبد في طبعه، فهو غير مطلوب، وتكلف العبد ما لا يطيقه كمن يريد شبر البسيطة، وهذا يخالف الفطرة حسًا، ويعاكسها عقلًا، ودين الإسلام دين الفطرة ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (٣٠) سورة الروم.
٤ - واعلم أن المحدَث يتولد منه أمور محدثة، وهكذا تبدو المحدثات صغارًا، ثم تنمو، وتزداد، حتى تنقطع السبيل إلى سبل، وتغاب السنن.
وقد تولد عن فتنة التقليد:
١ - إحياء البدعة المهجورة لدى المتصوفة (التعبد بعشق الصوت) ولقد كشف أهل السنة بدعيتها.
٢ - الازدحام في المساجد التي سبيل إمامها المحاكاة والتقليد، وشد الرحال إليها وبخاصة في أيام رمضان ليصلي التراويح في مسجد إمامه (حسن الصوت) وفي هذا مخالفة لقوله - ﷺ -: " لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، ومسجدي هذا " (١)
٣ - تَكَرُّه النفوس للصلاة خلف إمام لا يستحسن صوته.
٤ - انصراف مَنْ شاء الله مِنْ عباده عن الخشوع في الصلاة، وحضور القلب إلى التعلق بمتابعة الصوت الحسن لذات الصوت.
وأنصح كل مسلم قارئ لكتاب الله تعالى وبخاصة أئمة المساجد أن يكفوا عن المحاكاة والتقليد في قراءة كلام رب العالمين، فكلام الله أَجَلُّ، وأعظم من أن
_________________
(١) رواه البخاري ح (١١٨٩) ومسلم ح (١٣٩٧).
[ ١٢٣ ]
يجلب له القارئ مالم يطلب منه شرعًا زائدًا على تحسين الصوت حسب وسعه لا حسب قدرته على التقليد والمحاكاة. وقد قال الله عن نبيه محمد - ﷺ -: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ (٨٦) سورة ص
وليجتهد العبد في حضور القلب، وإصلاح النية فيقرأ القرآن محسنًا به صوته من غير تكلف، وليجتنب التكلف من الأنغام، والتقعر في القراءة، والممنوع من حرمة الأداء) (١).