انتشر في هذا الزمان ظاهرة القراءة من المصحف في صلاة التراويح، وأصبحت سمة عامة لكثير من المساجد، مما أدى إلى تكاسل كثير من الأئمة الحفاظ عن المراجعة، فما حكم هذه الظاهرة؟ وهل يجوز قراءة الإمام من المصحف في القيام استدلالًا بإمامة ذكوان لعائشة - ﵂ -؟ أم أنه من محدثات الأمور.
الجواب: اختلف العلماء قديمًا وحديثًا ما بين مانع ومجيز ولكل أدلته.
ولقد سئل الشيخ محمد ناصر الدين الألباني - ﵀ -
فأجاب: (لا نرى ذلك، وما ذُكر عن ذكوان حادثة عين، لا عموم لها، وبإباحة ذلك لأئمة المساجد يؤدي بهم إلى ترك تعاهد القرآن والعناية بحفظه غيبًا، وهذا خلاف قوله - ﷺ -: " تعاهدوا القرآن فوالذي نفسي بيده لهو أشد تفصيًا من الإبل في عقلها" (٢).
_________________
(١) بدع القراء القديمة والمعاصرة ص (٢٨ - ٥٨) بتصرف لفضيلة الشيخ بكر بن عبد الله أبوزيد، طبعة دار قرطبة.
(٢) رواه البخاري ح (٥٠٣٣) واللفظ له، ومسلم ح (٧٩١).
[ ١٢٤ ]
ومعلوم أن للوسائل حكم الغايات كقولهم ما لا يقوم الواجب إلا به فهو واجب وما يؤدي إلى معصية فهو معصية وهكذا).
وهذه الظاهرة عليها الكثير من المآخذ منها:
١ - أنه خلاف لهدي النبي - ﷺ - الذي يقول " صلوا كما رأيتموني أصلي " (١).
٢ - أنه أيضًا خلاف لسنة الخلفاء الراشدين المهديين الذين أمرنا أن نتأسى بهم.
٣ - أنه يميت الرغبة لدى الكثير في حفظ القرآن الكريم، التي خص الله بها هذه الأمة وكان من قبلها لا يقرءون كتابهم إلا نظرًا، فإذا طبقوه لم يحفظ ما فيه إلا الأنبياء، هذا وأكبر دافع وأقوى حافز للمسلم للقرآن للصلاة، فما دام يجوز القراءة من المصحف لماذا العناء والنصب؟
٤ - وبه - أيضًا - يهمل العمل بحديث النبي - ﷺ - " ليليني منكم أولو الأحلام والنُهى .. الحديث " (٢) إذ لا حاجة لأن يقفوا خلف الإمام للفتح عليه.
٥ - وكذا به لا يستطيع الإمام النظر إلى موضع السجود لتعلق نظره بصفحات المصحف.
٦ - فيه نقص لتمام الطمأنينة والخشوع لانشغال الإمام بتقليب الصفحات وتقديمه أثناء القيام من المصحف للقراءة والتأخر والرجوع عندما يريد الركوع بل البعض يكون المصحف عن يمينه فتراه يشيح بوجهه عن المسجد الحرام بدلًا
_________________
(١) رواه البخاري.
(٢) رواه مسلم ح (٤٣٢) وأحمد وأبوداود والترمذي.
[ ١٢٥ ]
من أن يصمد إليه وجهه صمدًا، لقوله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ (١٥٠) سورة البقرة.
٧ - كثير من أهل العلم كره هذا الصنيع كما جاء ذلك عن مجاهد وعن الأعمش وعن إبراهيم قال: كانوا يكرهون أن يؤم الرجل في المصحف كراهية أن يتشبهوا بأهل الكتاب، بل إن سليمان بن حنظل مَرَّ بقوم يؤمهم رجل في مصحف في رمضان على مشجب فرمى به).
٨ - ما قاله ابن حزم في المحلى (ولا يحل لأحد أن يؤم وهو ينظر ما يقرأ به في المصحف لا في فريضة ولا نافلة، فإن فعل عالمًا بأن ذلك لا يجوز بطلت صلاته وصلاة من ائتم به عالمًا بحاله بأن ذلك لا يجوز وأما أبوحنيفة - ﵀ - قال عن صلاته: أنها فاسدة).
أما حجج من أجاز ذلك أهمها اثنتان:
١ - احتجاجهم بأنه لم يعد هناك من يحفظ القرآن فنقول لهم: إن النبي - ﷺ - قام ليلة بآية واحدة وهي قوله تعالى: ﴿إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (١١٨) سورة المائدة. كان بها يسجد وبها يركع وبها يقوم يقعد حتى يصبح .. الحديث (١).
٢ - استدلالهم بصنيع مولى عائشة - ﵂ - ذكوان بأنه كان يؤمها من المصحف في رمضان فنقول: أهذا الأمر كان من الدين؟ فهل عمل به النبي - ﷺ - سكت عنه وتجاهله؟! سبحانك هذا بهتان عظيم! وإلا فما معنى قوله تعالى:
_________________
(١) (حديث صحيح) رواه النسائي وابن خزيمة وأحمد وابن نصر والحاكم وصححه ووافقه الذهبي. راجع صفة الصلاة للألباني ص (٦٩).
[ ١٢٦ ]
﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا﴾ (٣) سورة المائدة.
أما الأئمة الأعلام الذين أجازوا ذلك فإنهم قيدوه بقيد الاضطرار فهذا الإمام أحمد - ﵀ - سئل هل يؤم في المصحف في رمضان؟ قال: ما يعجبني إلا أن يضطر إلى ذلك. وبه قال إسحاق.
وقال قتادة عن سعيد بن المسيب في الذي يقوم في رمضان: إن كان معه ما يقرأ به في ليلة، وإلا فليقرأ في المصحف.
وأما الحسن - ﵀ - فقال: يقرأ بما معه ويردده ولا يقرأ من المصحف كما تفعل اليهود. (١)
ومما سبق يتضح أن: الأولى أن يقرأ المسلم من حفظه ولو كان قليلًا يردده كما فعل الرسول - ﷺ - والسلف الصالح من بعده، ولا يقرأ من المصحف في الصلاة إلا أن يضطر إلى ذلك. والله أعلم.
_________________
(١) المقتصد في ترجمة الشيخ أبويوسف عبد الرحمن عبد الصمد بقلم إبراهيم بن حميد الساجر. وراجع كلام السلف عن القراءة من المصحف في الصلاة في كتاب المصاحف لابن أبي داود تحقيق سليم الهلالي ص (٧١٠ - ٧٢١) طبعة مؤسسة غراس للنشر والتوزيع ط الأولى ١٤٢٧ هـ
[ ١٢٧ ]