قال الإمام ابن القيم - ﵀ - في هديه - ﷺ - في قراءة القرآن:
(كان له - ﷺ - حزب يقرأه، ولا يخل به (١)، وكانت قراءته ترتيلًا، لا هذًا (٢) ولا عجلة، بل قراءة مفسرة حرفًا (٣)، وكان يقطع قراءته آية آية (٤)،وكان يمد حروف
_________________
(١) وأما حديث «أنه كان له حزب لا يخل به» رواه أبوداود (١٣٩٣) في كتاب الصلاة، باب تحزيب القرآن، من حديث أوس بن حذيفة، وضعفه الألباني في ضعيف أبي داود (٢٩٧).
(٢) (هذًا): سرعة القراءة بغير تأمل. الفتح (٨/ ٧٠٨).
(٣) رواه أبوداود (١٤٦٦)، والترمذي والنسائي وقال الترمذي: حسن صحيح. وضعفه الألباني في ضعيف أبي داود (٣١٦)، ضعيف الترمذي (٥٦١)، وضعيف النسائي، المشكاة (١٢١٠) التحقيق الثاني. وصححه عبد القادر الأرناؤوط في تخريجه للتبيان ص (٧٠).
(٤) قال أبوعمرو الداني في (المكتفى) (٥/ ٢): (وكان جماعة من الأئمة السالفين والقُرَّاء الماضين يستحبون القطع على الآيات وإن تعلق بعضهن ببعض). وقال الألباني: وهذه سنة أعرض عنها جمهور القراء في هذه الأزمان فضلًا عن غيرهم. هامش صفة الصلاة ص (٥١).
[ ١٠١ ]
المد، فيمد الرحمن ويمد الرحيم (١)، وكان يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم في أول قراءته، وربما كان يقول: " اللهم إني أعوذ بك من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه، ونفثه " (٢) وكان تعوذه قبل القراءة .. وكان يقرأ القرآن قائمًا، وقاعدًا، ومضطجعًا، ومتوضئًا، ومحدثًا، ولم يكن يمنعه من قراءته إلا الجنابة (٣) وكان - ﷺ - يتغنى به، ويرجع صوته به أحيانًا كما رجع يوم الفتح في قراءته ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا﴾ (١) سورة الفتح. وحكى عبد الله بن المغفل ترجيعه آآ آثلاث مرات، ذكره البخاري وهذا الترجيع منه - ﷺ - كان اختيارًا لا اضطرارًا لهز الناقة له) (٤).
هديه - ﷺ - في القراءة في الصلاة:
١ - كان - ﷺ - يطيل القراءة في الركعة الأولى أكثر من الثانية.
٢ - كان يبتدئ من أول السورة ويكملها في أغلب أحواله، وتارة يقسمها في ركعتين، وتارة يعيدها كلها في الركعة الثانية، وأحيانًا يجمع في الركعة بين السورتين أو أكثر، وكان يقرن النظائر (٥) من المفصل كثيرًا.
٣ - وكان يطيل القراءة أحيانًا، ويقصرها أحيانًا أخرى، وربما لعارض سفر
_________________
(١) رواه البخاري ح (٥٠٤٦) عن أنس بن مالك.
(٢) (حديث سنده حسن) أخرجه أحمد وأبوداود وابن ماجه من حديث جبير بن مطعم وصححه ابن حبان والحاكم ووافقه الذهبي، وأخرجه أحمد وأبوداود والترمذي بسند حسن عن أبي سعيد الخدري. قاله الأرناؤوط في تخريج زاد المعاد (١/ ٤٨٢).
(٣) الحديث (ضعيف) انظر ضعيف الترمذي (٢٢).
(٤) زاد المعاد لابن القيم (١/ ٤٨٣ - ٤٨٤) وانظر فتح الباري (٨/ ٤٤٨).
(٥) النظائر: السور المتماثلة في المعاني كالموعظة أو الحكم أو القصص. انظر (صفة الصلاة) للألباني ص (٥٧).
[ ١٠٢ ]
أو سعال أو مرض أو بكاء صبي.
٤ - وكانت تختلف قراءته باختلاف الصلوات، ولم يكن يلتزم سورة معينة في صلاة معينة في كثير من الأحوال غير صبح الجمعة فإنه كان يقرأ فيها ﴿الم * تنزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (١ - ٢) سورة السجدة و﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنسَانِ﴾ (١) سورة الإنسان (١)، وصلاة الجمعة والعيدين.
٥ - وكان يجهر بالقراءة في صلاة الصبح والجمعة والعيدين، والاستسقاء، والكسوف، والأوليين من صلاة المغرب والعشاء، ويُسر بها في صلاة الظهر والعصر، وربما كان يسمعهم فيها الآية والآيتين وكان يسر تارة ويجهر أخرى في صلاة الليل.
٦ - وكان يطيل في صلاة الفجر ما لا يطيل في غيرها في سائر الصلوات ثم الظهر ثم العصر والعشاء، ثم المغرب غالبًا.
_________________
(١) قال الإمام ابن القيم - ﵀ -: (ولم يفعل ما يفعله كثير من الناس اليوم من قراءة بعض هذه وبعض هذه في الركعتين، أو قراءة السجدة وحدها في الركعتين، وهو خلاف السنة، وأما ما يظنه كثير من الجهال أن صبح يوم الجمعة فُضل بسجدة، فجهل عظيم، ولهذا كره بعض الأئمة قراءة سورة السجدة لأجل هذا الظن، وإنما كان - ﷺ - يقرأ هاتين السورتين لما اشتملتا عليه من ذكر المبدأ والمعاد، وخلق آدم ودخول الجنة والنار، وذلك مما كان ويكون في يوم الجمعة، فكان يقرأ في فجرها ما كان ويكون في ذلك اليوم، تذكيرًا للأمة بحوادث هذا اليوم، كما كان يقرأ في المجامع العظام كالأعياد والجمعة بسورة (ق) و(اقتربت) و(سبح) و(الغاشية». زاد المعاد (١/ ٢١٠ - ٢١١).
[ ١٠٣ ]
أما عن هديه - ﷺ - في القراءة في الصلوات فهو كالآتي:
١ - صلاة الفجر: كان - ﷺ - يقرأ فيها أحيانًا بطوال المفصل فربما قرأ الواقعة أو الطور أو ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾، وربما قرأ ما بين الستين إلى المئة آية في الركعة أو الركعتين، وربما قرأ بقصار المفصل مثل ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾.
٢ - صلاة الظهر: كان يطيلها أحيانًا حتى أنه كانت تقام الصلاة فيذهب الذاهب إلى البقيع، فيقضي حاجته ثم يأتي والرسول - ﷺ - في الركعة الأولى مما يطولها، وربما قرأ قدر الثلاثين آية في الركعتين، وأحيانًا كان يقرأ بـ ﴿وَالسَّمَاء وَالطَّارِقِ﴾، ﴿وَالسَّمَاء ذَاتِ الْبُرُوجِ﴾، ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ ونحوها من السور.
٣ - صلاة العصر: وكانت قراءته فيها على النصف تقريبًا من صلاة الظهر أي قدر خمس عشرة آية في كل ركعة أو في الركعتين جميعًا.
٤ - صلاة المغرب: كان يقرأ فيها أحيانًا بقصار المفصل حتى إنه لينصرف الواحد منهم ليبصر مواقع نبله وكان يقرأ أحيانًا ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾، وأحيانًا بطوال المفصل وأواسطه، فربما قرأ بالطور، والمرسلات قرأ بها في آخر صلاة صلاها، وكان أحيانًا يقرأ بطولى الطوليين (الأعراف).
٥ - صلاة العشاء: كان يخفف فيها ما لا يخفف في غيرها، وكان ينهى عن إطالة القراءة فيها كما في حديث معاذ بن جبل، فتارة يقرأ بـ ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ وأشباهها من السور، وتارة ﴿إِذَا السَّمَاء انشَقَّتْ﴾ وكان يسجد بها.
٦ - صلاة الجمعة: كان يقرأ فيها أحيانًا بـ الجمعة والمنافقون، وتارة الجمعة والغاشية، وأحيانًا الاعلى والغاشية.
[ ١٠٤ ]
٧ - صلاة العيدين: كان يقرأ فيها أحيانًا ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ والغاشية أو ﴿ق﴾ والقمر.