ذهب جمهور العلماء إلى عدم جواز مس المصحف للمحدث مطلقًا سواء أكان حدثًا أصغر أو حدثًا أكبر فمنعوا غير المتوضئ والجنب والحائض والنفساء من مس المصحف؛ واستدلوا على ذلك بقول الله تعالى: ﴿لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ (٧٩) سورة الواقعة، وقوله - ﷺ -: " لا يمس القرآن إلا طاهر " (٣).
_________________
(١) إحياء علوم الدين للغزالي (١/ ٣٢٩)، وانظر البرهان في علوم القرآن (١/ ٥٤٧)، التبيان ص (٥٨ - ٥٩).
(٢) فتاوى اللجنة الدائمة المجموعة الثانية، المجلد الثالث، ص ٨٠
(٣) (حديث صحيح) صححه الألباني في صحيح الجامع (٧٧٨٠)، المشكاة (٤٦٥) والإرواء (١٢٢) وقال: (وجملة القول: أن الحديث طرقه كلها لا تخلو من ضعف لكنه ضعف يسير إذ ليس في شيء منها من اتهم بالكذب، وإنما العلة بالإرسال أو سوء الحفظ وكثرة الطرق يقوي بعضها بعضاُ).
[ ١١٠ ]
وفعل الصحابة ﵃ ومنهم سعد بن أبي وقاص كما رواه الإمام مالك في الموطأ كتاب الطهارة، باب الوضوء من مس الفرج عن مصعب بن سعد بن أبي وقاص؛ أنه قال: كنت أمسك المصحف على سعد بن أبي وقاص، فاحتككت. فقال سعد: لعلك مسست ذكرك؟ قال: فقلت نعم. فقال: قم، فتوضأ. فقمت، فتوضأت، ثم رجعت.
وأجاب عن ذلك القائلون بالجواز بأن الاستدلال بالآية الكريمة لا يسلم للقائلين بالمنع وذلك لأن جمهور المفسرين ذهبوا إلى أن الضمير في الآية في قوله: ﴿لَّا يَمَسُّهُ﴾ المقصود به الكتاب المكنون الذي في السماء، والمطهرون هم الملائكة، وهذا ما يشعر به سياق الآيات الكريمة، قال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ * لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ ويؤيد ذلك قوله تعالى ﴿فِي صُحُفٍ مُّكَرَّمَةٍ * مَّرْفُوعَةٍ مُّطَهَّرَةٍ * بِأَيْدِي سَفَرَةٍ * كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾.
أما الحديث " لا يمس القرآن إلا طاهر " فلفظ " طاهر " لفظ مشترك، يطلق على الطاهر من الحدث الأكبر، والطاهر من الحدث الأصغر، ويطلق على المؤمن، وعلى من ليس على بدنه نجاسة، ولابد لحمله على معين من قرينه، والأحاديث التي احتجوا بها في المنع لا يثبت منها شيء. قال الإمام ابن حزم - ﵀ -: (وأما مس المصحف فإن الآثار التي احتج بها من لم يجز للجنب مسه فإنه لا يصح
[ ١١١ ]
منها شيء لأنها إما مرسلة وإما صحيفة لا تسند وإما عن مجهول وإما عن ضعيف) (١) والذي نراه أن رأي الجمهور أولى وأحوط. والله أعلم.