قال شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -:
(وأما قراءة الجنب والحائض للقرآن فللعلماء فيه ثلاثة أقوال:
قيل: يجوز لهذا ولهذا، وهو مذهب أبي حنيفة والمشهور من مذهب الشافعي وأحمد.
وقيل: لا يجوز للجنب، ويجوز للحائض. إما مطلقًا أو إذا خافت النسيان. وهو مذهب مالك وقول في مذهب أحمد وغيره. فإن قراءة الحائض القرآن لم يثبت عن النبي فيه شيء غير الحديث المروي عن إسماعيل بن عياش عن موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر: " لا تقرأ الحائض ولا الجنب من القرآن شيئًا " (٢) وإسماعيل بن عياش ما يرويه عن الحجازيين أحاديث ضعيفة. بخلاف روايته عن الشاميين، ولم يرو هذا عن نافع أحد من الثقات، ومعلوم أن النساء كن يحضن على عهد رسول الله ولم يكن ينههن عن قراءة القرآن كما لم يكن ينههن عن الذكر والدعاء، بل أمر الحيض أن يخرجن يوم العيد، فيكبرن بتكبير المسلمين. وأمر الحائض أن تقضي المناسك كلها إلا الطواف بالبيت: تلبي وهي حائض، وكذلك
_________________
(١) راجع المحلي لابن حزم (١/ ٧٧ - ٨٤) طبعة دار الفكر.
(٢) قال الحافظ في الفتح (١/ ٤٧٨): (وأما حديث ابن عمر مرفوعًا فضعيف من جميع طرقه)، وقال عنه الألباني: (حديث منكر) راجع ضعيف الترمذي (١٨)، ضعيف ابن ماجه (١٣٠)، ضعيف الجامع (٦٣٦٤)، وإرواء الغليل (١٩٢).
[ ١١٢ ]
بمزدلفة ومنى، وغير ذلك من المشاعر) (١).
وإذا ثبت جواز القراءة للحائض، فإنه يثبت للجنب كذلك، وأما التفريق بينهما فلا دليل عليه. وأورد الإمام البخاري في صحيحه في كتاب الحيض: باب تقضي الحائض المناسك كلها إلا الطواف بالبيت.
وقال إبراهيم: لا بأس أن تقرأ الآية. ولم ير ابن عباس بالقراءة للجنب بأسًا. وكان النبي - ﷺ - يذكر الله في كل أحيانه
قال الحافظ ابن حجر - ﵀ -:
(والأحسن ما قاله ابن رشيد تبعًا لابن بطال وغيره: أن مراده الاستدلال على جواز قراءة الحائض والجنب بحديث عائشة - ﵂ -؛ لأنه - ﷺ - لم يستثن من جميع مناسك الحج إلا الطواف، وإنما استثناه لكونه صلاة مخصوصة، وأعمال الحج مشتملة على ذكر وتلبية ودعاء، ولم تُمْنَع الحائض من شيء من ذلك، فكذلك الجنب لأن حدثها أغلظ من حدثه، ومنع القراءة إذا كان لكونه ذكرًا لله فلا فرق بينه وبين ما ذكر، وإن كان تعبدًا فيحتاج إلى دليل خاص، ولم يصح عند المصنف شيء من الأحاديث الواردة في ذلك، وإن كان مجموع ما ورد في ذلك تقوم به الحجة عند غيره لكن أكثرها قابل للتأويل كما سنشير إليه، ولهذا تمسك البخاري ومن قال بالجواز غيره كالطبري وابن المنذر وداود بعموم حديث: " كان يذكر الله على كل أحيانه" لأن الذكر أعم أن يكون بالقرآن أو بغيره، وإنما فُرِّقَ بين الذكر والتلاوة بالعرف
وأما حديث علي ﵁:
(كان رسول الله - ﷺ - لا يحجبه عن القراءة
_________________
(١) مجموع فتاوى شيخ الإسلام (٢١/ ٤٦٠ - ٤٦١) طبعة دار التقوى.
[ ١١٣ ]
شيء ليس الجنابة) رواه أصحاب السنن وصححه الترمذي وابن حبان وضعف بعضهم بعض رواته، والحق أنه من قبيل الحسن يصلح للحجة (١)، لكن قيل: في الاستدلال به نظر لأنه فعل مجرد فلا يدل على تحريم ما عداه، وأجاب الطبري عنه بأنه محمول على الأكمل جمعًا بين الأدلة) (٢).
والخلاصة:
أنه لم يثبت في منع الحائض أو الجنب من القراءة حديث صحيح صريح، فيبقى الأمر على البراءة الأصلية، وعلى الرغم من هذا فإننا نرى أن الأولى أن يكون الإنسان على طهارة لقوله - ﷺ -: " إني كرهت أن أذكر الله إلا على طهر " (٣).