إن نصوص الكتاب والسنة متظاهرة بأن الله أمرنا أن نصلي على النبي ونسلِّم عليه ﷺ (^١).
أما في القرآن:
فقد أمر الله عباده المؤمنين أن يسلِّموا على نبيهم مع أمره لهم بالصلاة عليه فقال تعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ ومَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلى النَّبِيِّ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب]. والشاهد من الآية معنا هو قوله ﷿: ﴿وسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾.
فهذا نصٌّ في مشروعية السلام على النبي ﷺ، وبيان لحق من حقوقه صلوات الله وسلامه عليه، وإظهار لشرفه ورفعة منزلته.
والآية في جملتها فيها من تشريف الله وتكريمه ما لا يوجد في غيرها من الآيات.
وأما في السنة:
فقد جاء تشريع السلام عليه ﷺ مع تعليمهم التشهد الذي كان متقدمًا على تعليمهم الصلاة عليه ﷺ.
فتعليم الصلاة عليه إنما كان بعد نزول الآية، فلهذا سأل الصحابة عن كيفية الصلاة ولم يسألوا عن كيفية السلام فقالوا: يا رسول الله قد
_________________
(١) قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة (ص ١٥٩).
[ ١١٢ ]
علمنا كيف نسلم عليك فكيف نصلى عليك (^١) فقولهم: "قد علمنا كيف نسلم عليك" إشارة إلى السلام الذي في التشهد وهو قول "السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته" (^٢).
قد بيَّنت السُّنَّة المواطن التي يشرع فيها السلام على النبي ﷺ.
فالسلام على النبي ﷺ مشروع في التشهد عند كل صلاة ففي الصحيحين عن ابن مسعود ﵁ قال: "كنا إذا كنا مع النبي ﷺ في الصلاة قلنا: السلام على الله من عباده السلام على فلان وفلان.
فقال النبي ﷺ: "لا تقولوا السلام على لله، فإن الله هو السلام، ولكن قولوا: التحيات لله الصلوات الطيبات، والسلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين - فإنكم إذا قلتم أصاب كل عبد في السماء أو بين السماء والأرض أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، ثم يتخير من الدعاء أعجبه إليه فيدعو" (^٣).
وشرع السلام كذلك عند دخول المسجد والخروج منه.
فعن فاطمة بنت رسول الله ﷺ ﵂ أن النبي ﷺ قال: "إذا دخل أحدكم المسجد فليقل: بسم الله والسلام على رسول الله، اللهم اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب رحمتك. وإذا خرج قال: بسم الله والسلام على رسول الله، اللهم اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب فضلك" (^٤).
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الدعوات، باب الصلاة على النبي ﷺ فتح الباري (١١/ ١٥٢) ح ٦٣٥٧.
(٢) فتح الباري (١١/ ١٥٥).
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأذان، باب ما يتخير من الدعاء بعد التشهد. وليس بواجب. فتح الباري (٢/ ٣٢٠) ح ٨٣٥. وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الصلاة، باب التشهد في الصلاة (٢/ ١٣).
(٤) تقدم تخريجه (ص ٧٥).
[ ١١٣ ]
وقد ورد كذلك في فضل السلام على النبي ﷺ عدد من الأحاديث أورد بعضا منها هنا:
١ - عن عبد الله بن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "إن لله في الأرض ملائكة سياحين يبلغوني من أمتي السلام" (^١).
٢ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "ما من أحد يسلم علي إلا رد الله ﷿ إلى روحي حتى أرد ﵇" (^٢).
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد في المسند (١/ ٣٨٧، ٤٤١، ٤٥٢). وأخرجه النسائي في السنن، كتاب السهو، باب السلام على النبي ﷺ (٣/ ٤٣). وأخرجه أيضا في اليوم الليلة، فضل السلام على النبي ﷺ ح ٦٦. وأخرجه الدارمي في السنن، كتاب الرقائق، باب فضل الصلاة على النبي ﷺ (٢/ ٣١٧) ح ٢٧٧٧، وأخرجه ابن حبان في صحيحه، كتاب الأدعية، باب الصلاة على النبي ﷺ. انظر: موارد الضمآن (ح ٢٣٩٣). وأخرجه إسماعيل القاضي في فضل الصلاة على النبي ﷺ (ص ١١) ح ٢١، وقال ابن القيم في جلاء الأفهام (ص ٥٤): إسناده صحيح.
(٢) أخرجه الإمام أحمد في المسند (٢/ ٥٢٧). وأخرجه أبو داود في سننه، كتاب المناسك، باب زيارة القبور (٢/ ٥٣٤) ح ٤١٠٢، وعزاه السخاوي في القول البديع (ص ١٦١) إلى الطبراني والبيهقي أيضا والحديث لا يسلم من مقال في إسناده. قال ابن عبد الهادى: أما المقال في إسناه فمن جهة تفرد أبي صخر به عن ابن قسيط عن أبي هريرة. ولم يتابع ابن قسيط أحد في روايته عن أبي هريرة ولا تابع أبا صخر أحد في روايته عن ابن قسيط. الصارم المنكي (ص ٢٥٠) وحميد بن زياد أبو صخر، ويزيد بن عبد الله بن قسيط فيهما كلام قال ابن عبد الهادي: وأبو صخر حميد بن زياد قد اختلف الأئمة في عدالته والاحتجاج بخبره مع الاضطراب في اسمه وكنيته واسم أبيه، فما تفرد به من الحديث ولم يتابعه عليه أحد لا ينهض إلى درجة الصحة بل يستشهد به ويعتبر به. انتهي كلامه. وهذا الحديث مما تفرد به كما سبق بيانه من كلام ابن عبد الهادى. وقد ذكر ابن عبد الهادي أقوال أئمة الجرح والتعديل في كل من حميد بن زياد أبي صخر ويزيد بن عبد الله بن قسيط وقال في نهاية نقله والحديث إسناده مقارب وهو صالح أن يكون متابعًا لغيره عاضدًا له والله أعلم. الصارم المنكى (ص ٢٥٩).
[ ١١٤ ]
٣ - وقد تقدم حديث عبد الرحمن بن عوف عن النبي ﷺ أنه قال: "أتاني جبريل فقال: من صلى عليك صليت عليه، ومن سلم عليك سلمت عليه" (^١).
٤ - وكذلك حديث أبي طلحة وفيه "أما يرضيك ألا يصلي عليك أحد من أمتك إلا صليت عليه عشرا، ولا سلم عليك، إلا سلمت عليه عشرا" (^٢).
وبما تقدم من نصوص يُعلم أن السلام هو حق من الحقوق التي للنبي ﷺ على أمته، والمسلم مأمور بالقيام بهذا الحق حيث كان، إما مطلقًا، وإما عند الأسباب المؤكدة لذلك كما في التشهد وعند الدخول إلى المسجد أو الخروج منه. وهذا السلام فيه من الخاصية للنبي ﷺ والفضل على هذه الأمة ما فيه.
أما الخاصية التي فيه للنبي ﷺ؛ فالأمر بالسلام عليه ﷺ مع الغيبة من خصائصه التي خصه الله بها، فلم يرد في الشرع الأمر بالسلام على معين مع مغيبه إلا عليه ﷺ وذلك كما في التشهد فليس فيه سلام على معين إلا عليه وكذلك عند دخول المسجد والخروج منه (^٣).
وأما الفضل الذي جعله الله لهذه الأمة بهذا السلام فهو جعله ﷾ هذا السلام مطلقا لا يتكلف فيه المرء قطع المسافة ولا يشترط فيه اللقاء به في حياته أو المجيء إلى قبره بعد وفاته.
فالمسلم يسلِّم على النبي ﷺ في أي مكان في هذه الدنيا وفي أي وقت وزمان يشاء وهذا من الفضل والنعمة التي امتن الله بها علينا.
_________________
(١) تقدم تخريجه (ص ١٠٤)
(٢) تقدم تخريجه (ص ١٠٣)
(٣) مجموع الفتاوى (٢٧/ ٤١٢).
[ ١١٥ ]