• قوله: "اللهم صل على محمد": اللهم: بمعنى: يا الله (^١)، وصلاة الله على رسوله: هي الثناء عليه في الملأ الأعلى.
• قال البخاري ﵀: "قال أبو العالية: "صلاة الله: ثناؤه عليه عند الملائكة، وصلاة الملائكة الدعاء" (^٢).
• قال ابن عباس ﵄: "يصلون: يبركون" (^٣) فظهر أن الصلاة من الله على نبيه هي الثناء عليه في الملأ الأعلى؛ أي: عند الملائكة المقربين، وإنما جاء ذكر النبي ﷺ باسمه العلم فقط؛ لأن هذا من باب الخبر، قال الطيبي ﵀: "عظمه في الدنيا بإعلاء ذكره، وإظهار دعوته، وإبقاء شريعته، وفي الآخرة بتشفيعه في أمته، وتضعيف أجره ومثوبته، وقيل: أمرنا الله بالصلاة عليه، لم نبلغ قدر الواجب من ذلك، فأحلنا على الله تعالى، وقلنا: اللهم صل أنت على محمد؛ لأنك أعلم بما يليق" (^٤)، وقال الإمام ابن القيم ﵀: "الصلاة المأمور بها فيها [أي: آية الأحزاب] هي: الطلب من الله ما أخبر به عن صلاته، وصلاة ملائكته وهي ثناء عليه، وإظهار لفضله، وشرفه، وإرادة تكريمه،
_________________
(١) انظر: لسان العرب (١٣/ ٤٧٠)، مادة: (آله)
(٢) صحيح البخاري (٦/ ١٢٠)، قبل الحديث رقم (٤٧٩٧).
(٣) صحيح البخاري (٦/ ١٢٠)، قبل الحديث رقم (٤٧٩٧).
(٤) شرح المشكاة للطيبي، الكاشف عن حقائق السنن (٣/ ١٠٣٩).
[ ٣٧ ]
وتقريبه، فهي تتضمَّن الخبر، والطلب، وسمي هذا السؤال والدعاء منا نحن: صلاة عليه لوجهين:
أحدهما: أنه يتضمن ثناء المصلي عليه، والإشادة بذكر شرفه، وفضله، والإرادة، والمحبة لذلك من الله تعالى، فقد تضمنت الخبر، والطلب.
والوجه الثاني: أن ذلك سُمِّي منا صلاة لسؤالنا من الله أن يصلي عليه، فصلاة الله عليه وثناؤه، وإرادته لرفع ذكره، وتقريبه، وصلاتنا نحن عليه: سؤالنا الله تعالى أن يفعل ذلك به" (^١).
وذكر الحافظ ابن حجر ﵀ عن جماعة أقوالًا في شرح معنى صلاة الله عليه بالمغفرة، وبالرحمة، ثم قال ﵀: "وأولى الأقوال ما تقدم عن أبي العالية: أن معنى صلاة الله على نبيه: ثناؤه عليه، وتعظيمه، وصلاة الملائكة وغيرهم عليه طلب ذلك له من الله تعالى، والمراد: طلب الزيادة، لا طلب أصل الصلاة" (^٢)، وقال أيضًا: "وقال الحليمي في الشعب: معنى الصلاة على النبي ﷺ: تعظيمه، فمعنى قولنا: اللهم صل على محمد: عظم محمدًا، والمراد: تعظيمه في الدنيا بإعلاء ذكره، وإظهار دينه، وإبقاء شريعته، وفي الآخرة بإجزال مثوبته، وتشفيعه في أمته، وإبداء فضيلته بالمقام المحمود، وعلى هذا فالمراد بقوله تعالى: "صلوا عليه: ادعوا ربكم بالصلاة عليه. انتهى" (^٣)
• قوله: "وعلى آل محمد": الآل: تأتي للأتباع على الدين، ويدل على ذلك قول الله ﷿: ﴿ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب﴾ [غافر: ٤٦]، وإذا قرن الآل بالأتباع كقولنا: "آله وأتباعه، فيُراد بالآل: المؤمنون من قرابته، وكذلك إذا قرن الآل،
_________________
(١) جلاء الأفهام (ص ١٦٢).
(٢) فتح الباري (١١/ ١٥٦).
(٣) فتح الباري (١١/ ١٥٦).
[ ٣٨ ]
والأصحاب، والأتباع، فالآل قرابته المؤمنون، والأصحاب: صحابته، والأتباع: أتباعه على دينه، كقولنا: "اللهم صل على محمد، وعلى آله، وأصحابه، وأتباعه بإحسان"، وقال القرطبي ﵀: "اختلف في آله من هم؟ فقيل: أتباعه، وقيل: أمته، وقيل: آل بيته، وقيل: أتباعه من رهطه وعشيرته، وقيل: آل الرجل نفسه؛ ولهذا كان الحسن يقول: "اللهم صل على آل محمد"، واختلف النحويون: هل يضاف الآل إلى المضمر، أم لا يضاف إلا إلى الظاهر؟ فذهب النحاس، والزبيدي، والكسائي، إلى أنه لا يقال إلا: "اللهم صل على محمد وآل محمد"، ولا يقال: وآله" (^١).
وقال الإمام ابن القيم رحمه لله: "واختلف في آل النبي ﷺ على أربعة أقوال، فقيل: هم الذين حرمت عليهم الصدقة … والقول الثاني: إن آل النبي ﷺ هم ذريته، وأزواجه خاصة … والقول الثالث: إن آله ﷺ أتباعه إلى يوم القيامة … والقول الرابع: إن آله ﷺ الأتقياء من أمته … والصحيح هو القول الأول، ويليه القول الثاني، وأما الثالث والرابع فضعيفان؛ لأن النبي ﷺ قد رفع الشبهة.
• بقوله ﷺ: "إن الصدقة لا تحل لآل محمد" (^٢).
• وقوله ﷺ: "إنما يأكل آل محمد من هذا المال" (^٣).
• وقوله ﷺ: "اللهم اجعل رزق آل محمد قوتًا" (^٤)، وهذا لا يجوز أن يراد به عموم الأمة قطعًا، فأولى ما حُمل عليه الآل في
_________________
(١) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم (٤/ ١٢٧).
(٢) البخاري برقم (١٤٨٥)، ومسلم برقم (١٠٦٩)، ومسند أحمد (١٣/ ١٨٠) برقم (٧٧٥٨)، واللفظ له.
(٣) البخاري برقم (٣٧١١)، ومسلم برقم (١٧٥٩).
(٤) البخاري برقم (٦٤٦٠)، ومسلم برقم (١٠٥٥).
[ ٣٩ ]
الصلاة: الآل المذكورون في سائر ألفاظه، ولا يجوز العدول عن ذلك" (^١).
وقال الحافظ بن حجر ﵀: "واختلف في المراد بآل محمد في هذا الحديث، فالراجح أنهم من حرمت عليهم الصدقة … ولمسلمٍ من حديث عبد المطلب بن ربيعة في أثناء حديث مرفوع:
"إن هذه الصدقة إنما هي أوساخ الناس، وإنها لا تحل لمحمد، ولا لآل محمد"، وقال أحمد: المراد بآل محمد في حديث التشهد أهل بيته، وعلى هذا فهل يجوز أن يقال أهل عوض آل؟ روايتان عندهم.
وقيل: المراد بآل محمد: أزواجه، وذريته؛ لأن أكثر طرق هذا الحديث جاء بلفظ "وآل محمد"، وجاء في حديث أبي حميد موضعه: "وأزواجه وذريته"، فدل على أن المراد بالآل الأزواج والذرية، وتعقب بأنه ثبت الجمع بين الثلاثة كما في حديث أبي هريرة، فيحمل على أنّ بعض الرواة حفظ ما لم يحفظ غيره، فالمراد بالآل في التشهد: الأزواج، ومن حرمت عليهم الصدقة، ويدخل فيهم الذرية، فبذلك يجمع بين الأحاديث" (^٢).
• وقال العلامة ابن عثيمين ﵀: "وآل محمد، قيل: إنهم أتباعه على دينه؛ لأن آل الشخص: كل من ينتمي إلى الشخص، سواء بنسب، أم حمية، أم معاهدة، أم موالاة، أم أتباع، كما قال الله تعالى: ﴿ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب﴾ [غافر: ٤٦]، فيكون "آله" أتباعه على دينه، وقيل: "آل النبي ﷺ " قرابته المؤمنون، والقائل بذلك خص القرابة المؤمنين، فخرج بذلك سائر الناس، وخرج بذلك كل من كان كافرًا من قرابة النبي ﷺ، ولكن الصحيح الأول، وهو أن الآل هم
_________________
(١) جلاء الأفهام (ص ٢١٠).
(٢) فتح الباري (١١/ ١٦٠).
[ ٤٠ ]
الأتباع، لكن لو قُرِنَ "الآل" بغيره، فقيل: على محمد، وآله، وأتباعه، صار المراد بالآل المؤمنين من قرابته" (^١).
• قوله: "كما صليت على إبراهيم": الكاف هنا للتعليل، وليس للتشبيه؛ وذلك لأن المقرر هو أن المشبه أدنى من المشبه به، ومعلوم أن محمدا وآله أفضل من إبراهيم وآله، وعلى هذا يكون المعنى أن هذا من باب التوسل بفعل الله السابق وهو الفضل على إبراهيم وآله إلى تحقيق فضل الله اللاحق وهو الفضل لمحمد وآله، قال العلامة ابن عثيمين: "وهذا هو القول الأصح الذي لا يرد عليه إشكال" (^٢).
• قوله: "وعلى آل إبراهيم": قال الحافظ ابن حجر ﵀: "هم ذريته من إسماعيل، وإسحاق، كما جزم به جماعة من الشراح، وإن ثبت أن إبراهيم كان له أولاد من غير سارة، وهاجر، فهم داخلون لا محالة، ثم إن المراد: المسلمون منهم، بل المتقون، فيدخل فيهم الأنبياء، والصديقون، والشهداء، والصالحون، دون من عداهم، وفيه ما تقدم في آل محمد" (^٣)، ويدخل في ذلك رسولنا الكريم ﷺ؛ لأنه من ولد إبراهيم ﵇، وقال الإمام النووي ﵀: "ويدخل في آل إبراهيم خلائق لا يحصون من الأنبياء، ولا يدخل في آل محمد ﷺ نبي، فطلب إلحاق هذه الجملة التي فيها نبي واحد بتلك الجملة التي فيها خلائق من الأنبياء" (^٤)
• قوله: "إنك حميد": أي: كثير المحامد فهو الحامد لعباده الذين
_________________
(١) الشرح الممتع على زاد المستقنع (٣/ ١٢٥)، وانظر: شرح رياض الصالحين، شرح الحديث رقم (١٤٠٧).
(٢) انظر: الشرح الممتع (٣/ ١٦٥ - ١٦٦).
(٣) فتح الباري (١١/ ١٦٢).
(٤) شرح النووي على صحيح مسلم (٤/ ١٢٦).
[ ٤١ ]
اصطفاهم لإقامة شرعه ودينه، وهو المحمود من قبل أوليائه لما يتصف به من صفات الجلال والعظمة، قال الإمام النووي ﵀: "الحميد: الذي تحمد فعاله، وهو بمعنى المحمود، والله تعالى الحميد، المحمود، المستحمد إلى عباده" (^١)، وقال الإمام ابن القيم ﵀: "فالحميد هو الذي له من الصفات، وأسباب الحمد ما يقتضي أن يكون محمودًا، وإن لم يحمده غيره، فهو حميد في نفسه، والمحمود من تعلق به حمد الحامدين" (^٢)، وقال الحافظ ابن حجر ﵀: "أما الحميد: فهو فعيل من الحمد بمعنى محمود، وأبلغ منه، وهو من حصل له من صفات الحمد أكملها، وقيل: هو بمعنى الحامد؛ أي: يحمد أفعال عباده" (^٣).
• قوله: "مجيد": أي: متعاظم الأمجاد إلى عباده بما يفيض عليهم من الخيرات. قال النووي ﵀: "والمجيد: الماجد، وهو ذو الشرف والكرم، يقال: مجد الرجل يمجد مجدًا، ومجادة، ومجد يمجد لغتان. قال الحسن والكلبي: المجيد الكريم … المجيد: الرفيع. قال أهل المعاني: المجيد: الكامل الشرف، والرفعة، والكرم، والصفات المحمودة" (^٤). وقال الإمام ابن القيم ﵀: "المجيد، والممجد، والكبير، والمكبر، والعظيم، والمعظم، والحمد، والمجد إليهما يرجع الكمال كله؛ فإن الحمد يستلزم الثناء، والمحبة للمحمود، فمن أحببته، ولم تثن عليه، لم تكن حامدًا له حتى تكون مثنيًا عليه، محبًا له، وهذا الثناء والحب تبع للأسباب المقتضية له، وهو ما عليه المحمود من صفات الكمال، ونعوت الجلال، والإحسان إلى الغير؛ فإن هذه هي أسباب المحبة، وكلما كانت هذه الصفات أجمع،
_________________
(١) تهذيب الأسماء واللغات (٤/ ١٣٤).
(٢) جلاء الأفهام (ص ٣١٦).
(٣) فتح الباري (١١/ ١٦٣).
(٤) تهذيب الأسماء واللغات (٤/ ١٣٤).
[ ٤٢ ]
وأكمل، كان الحمد والحب أتم، وأعظم، والله سبحانه له الكمال المطلق الذي لا نقص فيه بوجه ما، والإحسان كله له ومنه، فهو أحق بكل حمد، وبكل حب من كل جهة، فهو أهل أن يحب لذاته، ولصفاته، ولأفعاله، ولأسمائه، ولإحسانه، ولكل ما صدر منه ﷾، وأما المجد، فهو مستلزم للعظمة والسعة والجلال، والحمد يدل على صفات الإكرام، والله ﷾ ذو الجلال والإكرام، وهذا معنى قول العبد: لا إله إلا الله، والله أكبر، فلا إله إلا الله دال على ألوهيته، وتفرده فيها، فألوهيته تستلزم محبته التامة، والله أكبر دال على مجده وعظمته، وذلك يستلزم تعظيمه، وتمجيده، وتكبيره؛ ولهذا يقرن سبحانه بين هذين النوعين في القرآن كثيرًا كقوله: ﴿رحمت الله وبركاته عليكم أهل البيت إنه حميد مجيد﴾ [هود: ٧٣] (^١). وقال الحافظ ابن حجر ﵀: "وأما المجيد: فهو من المجد، وهو صفة من كمل في الشرف، وهو مستلزم للعظمة والجلال، كما أن الحمد يدل على صفة الإكرام" (^٢).
وقال الإمام ابن القيم ﵀ أيضًا: "ولما كانت الصلاة على النبي ﷺ، وهي ثناء الله تعالى عليه، وتكريمه، والتنويه به، ورفع ذكره وزيادة حبه وتقريبه، كما تقدم، كانت مشتملة على الحمد والمجد، فكأن المصلي طلب من الله تعالى أن يزيد في حمده ومجده؛ فإن الصلاة عليه هي نوع حمد له، وتمجيد، هذا حقيقتها، فذكر في هذا المطلوب الاسمين المناسبين له، وهما أسماء الحميد والمجيد، وهذا كما الداعي يشرع له أن يختم دعاءه باسم من الأسماء الحسنى مناسب لمطلوبه، أو يفتتح دعاءه به، وتقدم أن هذا من قوله: (ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها﴾ [الأعراف: ١٨٠] " (^٣). قال الحافظ ابن حجر ﵀: "ومناسبة
_________________
(١) جلاء الأفهام (ص ٣١٦ - ٣١٧).
(٢) فتح الباري (١١/ ١٦٣).
(٣) جلاء الأفهام (ص ٣١٨).
[ ٤٣ ]
ختم هذا الدعاء بهذين الاسمين العظيمين أن المطلوب تكريم الله لنبيه، وثناؤه عليه، والتنويه به، وزيادة تقريبه، وذلك مما يستلزم طلب الحمد والمجد، ففي ذلك إشارة إلى أنهما كالتعليل للمطلوب، أو هو التذييل له، والمعنى: إنك فاعل ما تستوجب به الحمد من النعم المترادفة، كريم بكثرة الإحسان إلى جميع عبادك" (^١)، واقتران الحميد المجيد بيان أن الله محمود على مجده وعظمته وكمال صفاته، فليس كل ذي شرف محمود وكذلك ليس كل محمود يكون ذا شرف (^٢).
• قوله: "اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد": المراد بالبركة: الزيادة من الخير، والكرامة، وهي شاملة للبركة في العمل والبركة في الأثر المترتب على هذا العمل. قال القاضي عياض ﵀: "معنى البركة هنا: الزيادة من الخير والكرامة والتكثير منهما، ويكون بمعنى الثبات على ذلك من قولهم: بركت الإبل، وتكون البركة هاهنا بمعنى: التطهير والتزكية من المعايب، … نبينا ﷺ سأل ذلك لنفسه وأهل بيته؛ ليتم النعمة عليهم والبركة كما أتمها على إبراهيم وآله، وقيل: بل سأل ذلك لأمته ليثابوا على ذلك، وقيل: بل ليبقى له ذلك دائمًا إلى يوم الدين، ويجعل له به لسان صدق في الآخرين، كما جعله لإبراهيم" (^٣). وقال الإمام ابن القيم ﵀: "والبركة: النماء، والزيادة، والتبريك: الدعاء بذلك، ويقال: باركه الله، وبارك فيه، وبارك عليه، وبارك له … فهذا الدعاء يتضمن إعطاءه من الخير ما أعطاه لآل إبراهيم، وإدامته، وثبوته له، ومضاعفته، وزيادته، هذا حقيقة البركة" (^٤).
_________________
(١) فتح الباري (١١/ ١٦٣).
(٢) انظر: النهج الأسمى للنجدي (١/ ٤٣٤).
(٣) إكمال المعلم بفوائد مسلم (٢/ ٣٠٣)، وانظر: جلاء الأفهام للإمام ابن القيم (ص ٣٠٢).
(٤) جلاء الأفهام (ص ٣٠٢ - ٣٠٨).
[ ٤٤ ]
• قوله: "كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد": قال الإمام النووي ﵀: "قال العلماء: معنى البركة هنا الزيادة من الخير والكرامة، وقيل: هو بمعنى التطهير، والتزكية، واختلف العلماء في الحكمة في قوله: "اللهم صل على محمد كما صليت على إبراهيم" مع أن محمدًا ﷺ أفضل من إبراهيم ﷺ. قال القاضي عياض ﵀: أظهر الأقوال أن نبينا ﷺ سأل ذلك لنفسه، ولأهل بيته؛ ليتم النعمة عليهم، كما أتمها على إبراهيم، وعلى آله، وقيل: بل سأل ذلك لأمته، وقيل: بل ليبقى ذلك له دائمًا إلى يوم القيامة، ويجعل له لسان صدق في الآخرين، كإبراهيم ﷺ، وقيل: كان ذلك قبل أن يعلم أنه أفضل من إبراهيم ﷺ، وقيل: سأل صلاة يتخذه بها خليلا، كما اتخذإبراهيم … والمختار في ذلك أحد ثلاثة أقوال:
أحدها: … أن معناه صلِّ على محمد، وتم الكلام هنا، ثم استأنف: وعلى آل محمد؛ أي: وصل على آل محمد، كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم، فالمسؤول له مثل إبراهيم وآله، هم آل محمد ﷺ لا نفسه.
القول الثاني: معناه: اجعل لمحمد وآله صلاة منك، كما جعلتها لإبراهيم وآله، فالمسؤول المشاركة في أصل الصلاة لا قدره.
القول الثالث: أنه على ظاهره، والمراد اجعل لمحمد وآله صلاة، بمقدار الصلاة التي لإبراهيم وآله، والمسؤول مقابلة الجملة؛ فإن المختار في الآل كما قدمناه أنهم جميع الأتباع، ويدخل في آل إبراهيم خلائق لا يحصون من الأنبياء، ولا يدخل في آل محمد ﷺ نبي، فطلب إلحاق هذه الجملة التي فيها نبي واحد بتلك الجملة التي فيها خلائق من الأنبياء، والله أعلم" (^١).
_________________
(١) شرح النووي على صحيح مسلم (٤/ ١٢٥).
[ ٤٥ ]
وذكر الإمام ابن القيم ﵀ الأقوال في ذلك، ثم قال: "وقالت طائفة أخرى: آل إبراهيم فيهم الأنبياء الذين ليس في آل محمد مثلهم؛ فإذا طلب للنبي ﷺ ولآله من الصلاة مثل ما لإبراهيم وآله، وفيهم الأنبياء، حصل لآل النبي ﷺ من ذلك ما يليق بهم؛ فإنهم لا يبلغون مراتب الأنبياء، وتبقى الزيادة التي للأنبياء، وفيهم إبراهيم لمحمد ﷺ، فيحصل له بذلك من المزية ما لم يحصل لغيره.
وتقرير ذلك: أن يجعل الصلاة الحاصلة لإبراهيم ولآله، وفيهم الأنبياء جملة مقسومة على: محمد ﷺ وآله، ولا ريب أنه لا يحصل لآل النبي ﷺ مثل ما حصل لآل إبراهيم، وفيهم الأنبياء، بل يحصل لهم ما يليق بهم، فيبقى قسم النبي ﷺ، والزيادة المتوفرة التي لم يستحقها آله مختصة به ﷺ، فيصير الحاصل له من مجموع ذلك أعظم، وأفضل من الحاصل لإبراهيم، وهذا أحسن من كل ما تقدمه.
وأحسن منه أن يقال: محمد ﷺ هو من آل إبراهيم، بل هو آل إبراهيم، كما علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿إن الله اصطفى آدم ونوحا وقال إبراهيم وآل عمران على العلمين﴾ [آل عمران]. قال ابن عباس ﵄: "محمد من آل إبراهيم" (^١) وهذا نص؛ فإنه إذا دخل غيره من الأنبياء الذين هم من ذرية إبراهيم في آله، فدخول رسول الله ﷺ أولى، فيكون قولنا: كما صليت على آل إبراهيم متناولًا للصلاة عليه، وعلى سائر النبيين من ذرية إبراهيم.
ثم قد أمرنا الله أن نصلي عليه، وعلى آله خصوصًا بقدر ما صلينا
_________________
(١) ذكره في تفسير الطبري (٥/ ٣٢٩) عن قتادة، واستشهد الشيخ الألباني بكلام ابن القيم في كتابه صفة الصلاة، دون التعليق عليه. انظر: صفة صلاة النبي ﷺ (ص ١٦٨).
[ ٤٦ ]
عليه سائر آل إبراهيم عمومًا، وهو فيهم، ويحصل لآله من ذلك ما يليق بهم، ويبقى الباقي كله له ﷺ.
وتقرير هذا: أنه يكون قد صلى عليه خصوصًا، وطلب له من الصلاة ما لآل إبراهيم، وهو داخل معهم، ولا ريب أن الصلاة الحاصلة لآل إبراهيم، ورسول الله ﷺ معهم، أكمل من الصلاة الحاصلة له دونهم، فيطلب له من الصلاة هذا الأمر العظيم الذي هو أفضل مما لإبراهيم قطعًا، ويظهر حينئذ فائدة التشبيه، وجريه على أصله، وأن المطلوب له من الصلاة بهذا اللفظ أعظم من المطلوب له بغيره؛ فإنه إذا كان المطلوب له بغيره، فإنه إذا كان المطلوب بالدعاء إنما هو مثل المشبه به، وله أوفر نصيب منه، صار له من المشبه المطلوب أكثر مما لإبراهيم وغيره، وانضاف إلى ذلك مما له من المشبه به من الحصة التي لم تحصل لغيره.
فظهر بهذا من فضله، وشرفه على إبراهيم، وعلى كلٍّ من آله، وفيهم النبيون، ما هو اللائق به، وصارت هذه الصلاة دالة على هذا التفضيل، وتابعة له، وهي من موجباته، ومقتضياته، فصلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليمًا كثيرًا، وجزاه عنا أفضل ما جزى نبيًا عن أمته، اللهم صل على محمد، وعلى آل محمد، كما صليت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، وبارك على محمد، وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد" (^١)
• وقال العلامة ابن عثيمين ﵀: "وقوله كما صليت على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم، الكاف هنا للتعليل، وهذا من باب التوسل بأفعال الله السابقة إلى أفعاله اللاحقة؛ يعني: كما مننت بالصلاة على إبراهيم وآله، فامنن بالصلاة على محمد وآله ﷺ، فهي من باب التعليل،
_________________
(١) جلاء الأفهام (ص ٢٨٩).
[ ٤٧ ]
وليست من باب التشبيه، وبهذا يزول الإشكال الذي أورده بعض أهل العلم ﵏؛ حيث قالوا: كيف تلحق الصلاة على النبي ﷺ وآله بالصلاة على إبراهيم وآله، مع أن محمدًا أشرف من جميع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فالجواب أن الكاف هنا ليست للتشبيه، ولكنها للتعليل، كما صليت على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد: حميد يعني: محمود؛ مجيد يعني: ممجد، والمجد هو: العظمة، والسلطان، والعزة، والقدرة، وما إلى ذلك، "اللهم بارك على محمد، وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد"، كذلك أيضًا التبريك: تقول: اللهم بارك على محمد، وعلى آل محمد؛ أي: أنزل فيهم البركة، والبركة هي الخير الكثير الواسع الثابت، كما باركت على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، هذه هي الصلاة على النبي ﷺ، وعلى آله وسلم، وهذه هي الصفة الفضلى، وإذا اقتصرت على قولك: اللهم صل على محمد، كما فعل العلماء في جميع مؤلفاتهم، إذا ذكروا الرسول لم يقولوا هذه الصلاة المطولة؛ لأن هذه الكاملة، وأما أدنى مجزئ فأن تقول: اللهم صل على محمد" (^١).
• قوله: "وعلى أزواجه": هن أمهات المؤمنين - رضي عنهن -. وقال ابن الجوزي ﵀: "والأزواج جمع زوج، والفصيح من الكلام أن يقال لامرأة الرجل زوج بغير هاء، وبذلك جاء القرآن" (^٢).
• قوله: "وذريته": الذرية هي النسل، وقد يختص بالنساء والأطفال، وقد يطلق على الأصل (^٣). وقال ابن الجوزي ﵀: "والذرية فيها قولان: أحدهما: أنها من الذر؛ لأن الله أخرج الخلق من صلب آدم
_________________
(١) شرح رياض الصالحين، شرح الحديث رقم (١٤٠٧).
(٢) كشف المشكل من حديث الصحيحين (٢/ ١٧٠).
(٣) فتح الباري (٨/ ١٩٣).
[ ٤٨ ]
كالذر، والثاني: أن أصلها ذروة … ثم أدغمت الواو في الياء فصار ذرية" (^١). وقال الإمام ابن القيم ﵀: "اللهم صل على محمد، وعلى آل محمد، وفي هذا الحديث يعني: حديث أبي حميد: "اللهم صل على محمد، وأزواجه، وذريته" قالوا: فهذا تفسير ذلك الحديث، ويبين أن آل محمد هم أزواجه، وذريته … قالوا: والآل، والأهل سواء، وآل الرجل وأهله سواء، وهم: الأزواج، والذرية بدليل هذا الحديث" (^٢).
• قوله: "وعلى أهل بيته": قال في الفتح الرباني: "قال النووي ﵀: اختلف العلماء في آل النبي ﷺ على أقوال، أظهرها، وهو اختيار الأزهري وغيره من المحققين: أنهم جميع الأمة، والثاني: بنو هاشم، وبنو المطلب، والثالث: أهل بيته ﷺ، وذريته، والله أعلم. اهـ. قال الشوكاني: وقد ذهب نشوان الحميري إمام اللغة إلى أنهم جميع الأمة" (^٣).
• قوله: "السلام عليك أيها النبي": أما السلام فهو من أسماء الله ﷿؛ لأنه هو السالم من كل عيب ونقص وآفة وفساد، والمعنى: سلمك الله من كل مكروه وسوء، وإنما جاء الخطاب بالنبوة رفعة لقدره ومقامه. وقال الحافظ ابن حجر ﵀: "يجوز فيه وفيما بعده؛ أي: السّلام حذف اللام وإثباتها والإثبات أفضل وهو الموجود في روايات الصحيحين … قال الطيبي: أصل سلام عليك سلمت سلامًا عليك، ثم حذف الفعل وأقيم المصدر مقامه، وعدل عن النّصب إلى الرفع على الابتداء للدلالة على ثبوت المعنى واستقراره، ثم التعريف إما للعهد التقديري؛ أي: ذلك السّلام الذي وجه إلى الرسل والأنبياء عليك
_________________
(١) كشف المشكل من حديث الصحيحين (٢/ ١٧٠).
(٢) جلاء الأفهام (ص ٢١١).
(٣) الفتح الرباني بشرح مسند الإمام أحمد الشيباني (١/ ٢٣).
[ ٤٩ ]
أيها النبي، وكذلك السّلام الذي وُجِّه إلى الأمم السالفة علينا وعلى إخواننا، وإما للجنس والمعنى أن حقيقة السّلام الذي يعرفه كل واحد وعمن يصدر وعلى من ينزل عليك وعلينا، ويجوز أن يكون للعهد الخارجي إشارة إلى قوله تعالى: ﴿وسلام على عباده الذين اصطفى﴾ [النمل: ٥٩]. قال: ولا شك أن هذه التقادير أولى من تقدير النّكرة، انتهى" (^١). وقال الفيروز أبادي ﵀: "وأما التسليم: وهو أن يقال: السلام عليك أيها النبي، وأيها الرسول، وفي التشهد: السلام عليك أيها النبي، ولو قال في هذا الوقت: الصلاة والسلام عليك لأغنى عن تجديد الصلاة بعد التشهد، ولو أخر السلام إلى وقت الصلاة فقال: اللهم صل وسلم على محمد لأغنى عن السلام في التشهد، ومعناه: السلام - الذي هو اسم من أسماء الله تعالى - عليك، وتأويله: لا خلوت من الخيرات، والبركات، وسلمت من المكاره، والآفات؛ إذ كان اسم الله تعالى إنما يذكر على الأمور توقعًا لاجتماع معاني الخير، والبركة فيها، وانتفاء عوارض الخلل، والفساد عنها، ويحتمل أن يكون السلام بمعنى السلامة؛ أي: ليكن قضاء الله تعالى عليك السلامة؛ أي: سلمت من الملام والنقائض، فإذا قلت: اللهم سلم على محمد؛ فإنما تريد منه: اللهم اكتب لمحمد في دعوته، وأمته، وذكره السلامة من كل نقص، فتزداد دعوته على ممر الأيام علوًا، وأمته تكاثرًا، وذكره ارتفاعًا" (^٢).
• قوله: "ورحمة الله": الرحمة صفة من صفات الله تعالى تليق بجلاله وكماله، يرحم بها عباده، وينعم عليهم بها (^٣)، وليست رحمة الله كرحمة خلقه، ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾ [الشورى: ١١].
_________________
(١) فتح الباري، لابن حجر (٢/ ٣١٣).
(٢) الصِّلات والبُشَر في الصلاة على خير البشر، للفيروزآبادي (ص ٦٦).
(٣) انظر: توضيح الأحكام للشيخ عبد الله البسام، (ص ٢٦٩).
[ ٥٠ ]
قال العلامة ابن عثيمين ﵀: "ورحمة الله: رحمة معطوفة على (السّلام عليك)؛ يعني: ورحمة الله عليك، فيكون عطف جملة على جملة والخبر محذوف، ويجوز أن يكون من باب عطف المفرد على المفرد، فلا يحتاج إلى تقدير الخبر، والرحمة إذا قرنت بالمغفرة، أو بالسّلام صار لها معنى، وإن أفردت صار لها معنى آخر، فإذا قرنت بالمغفرة، أو بالسلام صار المراد بها: ما يحصل به المطلوب، والمغفرة والسلام: ما يزول به المرهوب، وإن أفردت شملت الأمرين جميعًا، فأنت بعد أن دعوت لرسول الله ﷺ بالسّلام دعوت له بالرحمة؛ ليزول عنه المرهوب ويحصل له المطلوب" (^١).
• قوله: "وبركاته": البركة بمعنى النماء والزيادة من كل خير، وهذه البركة تشمل:
أ - البركة في حياته، ويدخل فيها البركة في طعامه، وشرابه، وكسوته، وأهله، وعمله.
ب - البركة بعد موته بكثرة أتباعه واتباعهم له فيما شرع (^٢). قال العلامة ابن عثيمين ﵀ "وبركاته: جمع بركة، وهي الخير الكثير الثابت؛ لأن أصلها من البركة - بكسر الباء - والبركة: مجتمع الماء الكثير الثابت، والبركة: هي: النماء والزيادة في كل شيء من الخير، فما هي البركات التي تدعو بها للرسول ﵊ بعد موته؟ ففي حياته ممكن أن يبارك له في طعامه، في كسوته، في أهله، في عمله، فأما البركة بعد موته: فبكثرة أتباعه، وما يتبع فيه، فإذا قدرنا أن شخصًا أتباعه مليون رجل، وصار أتباعه مليونين فهذه بركة، وإذا قدرنا أن الأتباع يتطوعون بعشر ركعات، وبعضهم بعشرين ركعة صار في الثاني
_________________
(١) انظر: الشرح الممتنع (٣/ ١٥٢).
(٢) انظر: الشرح الممتع (٣/ ١٥٣).
[ ٥١ ]
زيادة، إذا؛ نحن ندعو للرسول ﷺ بالبركة، وهذا يستلزم كثرة أتباعه، وكثرة عمل أتباعه؛ لأن كل عمل صالح يفعله أتباع الرسول ﵊، فله مثل أجورهم إلى يوم القيامة" (^١).
• قوله: "السلام علينا": هذا شامل لجميع من حضر هذه الصلاة: إمامًا، ومأمومًا، وملائكة. قال ابن حجر ﵀: "السّلام علينا استدل به على استحباب البداءة بالنفس في الدعاء" (^٢).
• قوله: "وعلى عباد الله الصالحين": هذا تعميم بعد تخصيص وهم كل عبد صالح في السماء والأرض، حي أو ميت: من بني آدم، ومن عالمي الملائكة والجن (^٣) (^٤).
* * *
_________________
(١) انظر: الشرح الممتع (٣/ ١٥٣).
(٢) فتح الباري، لابن حجر (٢/ ٣١٤).
(٣) انظر: الشرح الممتع (٣/ ١٥٤).
(٤) انظر: كتاب (الفضل الكبير في الصلاة والسلام على البشير النذير) (ص ٥٨ - ٧٧) لفضيلة الشيخ الأستاذ الدكتور سعيد بن وهف القحطاني حفظه الله تعالى فقد استفدت منه كثيرًا (المعتني).
[ ٥٢ ]