قال ابن القيم: "إن طلب الصلاة من الله على رسوله ﷺ هو من أجل أدعية العبد وأنفعها له في دنياه وآخرته" (^١) يدلك على ذلك ما جاء في فضلها من الأحاديث.
فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "من صلى على واحدة صلى عليه عشرا" رواه مسلم (^٢).
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أنه سمع النبي ﷺ يقول: "إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ثم صلوا عليَّ، فإنه من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشرا ثم سلوا الله لي الوسيلة فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو فمن سأل لي الوسيلة حلت له الشفاعة" رواه مسلم (^٣).
وعن أُبي بن كعب ﵁ قال: قلت: "يا رسول الله، إني أكثر الصلاة عليك، فكم أجعل لك من صلاتي؟ قال: " ما شئت". قلت: الربع؟ قال: " ما شئت، وإن زدت فهو خير. قلت: النصف؟ قال: "ما شئت، وإن زدت فهو خير". قلت: الثلثين؟ قال: "ما شئت وإن زدت فهو
_________________
(١) بدائع الفوائد (٢/ ١٩٠).
(٢) أخرجه مسلم في كتاب الصلاة، باب الصلاة على النبي ﷺ بعد التشهد برقم (٤٠٨).
(٣) أخرجه مسلم في كتاب الصلاة، باب القول مثل قول المؤذن لمن سمعه … برقم (٣٨٤).
[ ١٠٠ ]
خير". قلت: أجعل لك صلاتي كلها؟ قال: "إذًا تُكفى همك ويغفر لك ذنبك" (^١).
وللحديث طريق آخر عن يعقوب بن زيد بن طلحة التيمي (^٢) قال: قال رسول الله ﷺ: "أتاني آت من ربي فقال: ما من عبد يصلي عليك صلاة إلا صلى الله عليه بها عشرا" فقام إليه رجل فقال: يا رسول الله أجعل نصف دعائي لك؟ قال: "إن شئت" قال: ألا أجعل ثلثي دعائي لك؟ قال: "إن شئت" قال: ألا أجعل دعائي كله؟ قال: "إذن يكفيك الله هم الدنيا وهم الآخرة" (^٣).
وعن أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ قال: "من ذُكرت عنده فليصلِّ عليَّ، ومن صلى عليَّ مرة صلى الله عليه عشرا" (^٤).
وفي رواية: "من صلَّى علي صلاة واحدة صلى الله عليه عشر صلوات وحط عنه عشر خطيئات" (^٥).
_________________
(١) أخرجه الترمذي في كتاب صفة القيامة برقم (٢٤٥٧)، والإمام أحمد في مسنده (١/ ١٣٦) والحاكم (٢/ ٤٢١)، وأبو نعيم في الحلية (١/ ٢٥٦)، وحسنه الألباني في الصحيحة برقم (٧٥٤).
(٢) يعقوب بن زيد بن طلحة التيمي، أبو يوسف المدني: قاضي المدينة، ثقة قليل الحديث، ومات في ولاية أبي جعفر. تهذيب التهذيب (١١/ ٣٨٥).
(٣) أخرجه إسماعيل القاضي في فضل الصلاة على النبي ﷺ (ص ٨٧) رقم (١٣) وقال: قال شيخ كان بمكة يقال له منيع لسفيان: عمن أسنده؟ قال: لا أدري، وقال الألباني في تعليقه: هذا مرسل صحيح الإسناد، ويشهد له الحديث الذي بعده؛ يعني: الحديث الذي تقدم ذكره.
(٤) أخرجه النسائي في عمل اليوم والليلة (ص ١٦٥) رقم (٦١)، باب ثواب الصلاة على النبي ﷺ، وابن السني في عمل اليوم والليلة (ص ١٣٥، ١٣٦) رقم (٣٨٠).
(٥) أخرجه الإمام أحمد في المسند (٣/ ١٠٢، ٢٦١) والبخاري في الأدب المفرد (ص ٩٤، ٩٥)، باب الصلاة على النبي ﷺ؛ والنسائي في عمل اليوم والليلة (ص ١٦٦) (ح ٦٣)، باب ثواب الصلاة على النبي ﷺ؛ وأخرجه ابن حبان في صحيحه. انظر: موارد الظمآن (٢٣٩٥).
[ ١٠١ ]
وفي رواية "من صلّى عليَّ صلاة واحدة صلَّى الله عليه عشر صلوات وحطَّ عنه عشر سيئات، ورفعه بها عشر درجات" (^١).
وفي رواية: "خرج النبي ﷺ يتبرز، فلم يجد أحدا يتبعه فهرع عمر فاتبعه بمطهرة - يعني إداوة - فوجده ساجدا في شربة، فتنحى عمر فجلس وراءه حتى رفع رأسه قال: فقال: " أحسنت يا عمر حين وجدتني ساجدا فتنحيت عني إن جبريل ﵇ أتاني فقال: من صلى عليك واحدة صلى الله عليه عشرا، ورفعه عشر درجات" (^٢).
وأخرج هذا الحديث عن عمر بن الخطاب قال: " خرج النبي ﷺ يتبرز، فاتبعته بإدواة، فوجدته قد فرغ، ووجدته ساجدًا لله في شربة،
_________________
(١) أخرجه النسائي في السنن (٣/ ٥٠)، باب الفضل في الصلاة على النبي ﷺ وكذلك في عمل اليوم والليلة (ص ١٦٥، ١٦٦) ح ٦٢، ثواب الصلاة على النبي ﷺ وأخرجه الحاكم في المستدرك (١/ ٥٥٠) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي. وكل من رواية "صلى الله عليه عشر صلوات وحط عنه عشر خطيئات". ورواية: "صلى الله عليه عشر صلوات وحط عنه بها عشر سيئات، ورفعه بها عشر درجات" جاءت من طريق بريد بن أبي مريم وقد جاء في بعض الروايات عن بريد بن أبي مريم عن الحسن عن أنس وفي بعضها عن بريد بن أبي مريم عن أنس، وقد ذكر ابن القيم أن هذه العلة لا تقدح فيه شيئا، لأن الحسن لا شك في سماعه من أنس، وقد صح سماع بريد بن أبي مريم من أنس أيضا هذا الحديث، فرواه ابن حبان في صحيحه موارد ٢٣٩٠ والحاكم في المستدرك (١/ ٥٥٠) من حديث يونس بن أبي إسحاق، عن بريد بن أبي مريم، قال سمعت أنس بن مالك … نذكره. ولعل بريدا سمعه من الحسن ثم سمعه من أنس، فحدث به على الوجهين، فإنه قال: كنت أزامل الحسن بن محمد، فقال حدثنا أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ فذكره، ثم إنه حدثه به أنس فرواه عنه كما تقدم". جلاء الأفهام (ص ٥٦).
(٢) أخرجه إسماعيل القاضي في فضل الصلاة على النبي ﷺ (ص ٤) ح ٤. وقال الألباني: إسناده ضعيف، ولكن المرفوع من الحديث صحيح له شواهد كثيرة. وأخرجه البخاري في الأدب المفرد (ص ٩٤) باب الصلاة على النبي ﷺ.
[ ١٠٢ ]
فتنحيت عنه فلما فرغ، رفع رأسه فقال: "أحسنت يا عمر حين تنحيت عني إن جبريل أتاني فقال: من صلى عليك صلاة صلى الله عليه عشرًا ورفعه عشر درجات" (^١).
وعن عبد الرحمن بن عوف (^٢) قال: أتيت النبي ﷺ وهو ساجد فأطال السجود قال: "أتاني جبريل قال: من صلى عليك صليت عليه، ومن سلم عليك سلمت عليه، فسجدت لله شكرًا" (^٣).
وفي رواية "كان لا يفارق فيء النبي ﷺ بالليل والنهار خمسة نفر من أصحابه أو أربعة لما ينوبه من حوائجه قال: فجئت فوجدته قد خرج فتبعته، فدخل حائطا من حيطان الأسواف (^٤) فصلى فسجد سجدة أطال فيها، فحزن وبكيت فقلت: لأرى رسول الله ﷺ قد قبض الله روحه، قال: فرفع رأسه، وتراءيت له، فدعاني، فقال: مالك؟ قلت: يا رسول الله سجدت سجدة أطلت فيها فحزنت، وبكيت، وقلت: لأرى رسول الله ﷺ قد قبض الله روحه".
_________________
(١) أخرجه إسماعيل القاضي في فضل الصلاة على النبي ﷺ (ص ٥) ح رقم ٥. وأخرجه البخاري في الأدب المفرد (ص ٩٤) عن أوس بن الحدثان عن النبي ﷺ وذكره. وهذا الحديث والذي قبله هما من طريق سلمة بن وردان وقال الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحه (٢/ ٥٠٣) ح رقم ٨٢٩ وسلمة بن وردان ضعيف بغير تهمة، فيصلح للاستشهاد به وللحديث شاهد آخر من حديث عبد الرحمن بن عوف.
(٢) عبد الرحمن بن عوف الزهري: ولد بعد الفيل بعشر سنين، وأسلم قبل دخول دار الأرقم، وهاجر الهجرتين وشهد المشاهد كلها، وأحد العشرة المبشرين بالجنة، وأحد رجال الشورى الستة، توفي سنة ٣١ هـ وقيل سنة ٣٢ هـ وهو الأشهر. الإصابة (٢/ ٤٠٨ - ٤١٠).
(٣) أخرجه بهذا اللفظ إسماعيل القاضي في فضل الصلاة على النبي ﷺ (ص ٥) ح ٧ وأخرجه الإمام أحمد في المسند (١/ ١٩١)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٢/ ٢٨٧) (رواه أحمد ورجاله ثقات). وأخرجه الحاكم في المستدرك (١/ ٢٢٢) وقال هذا حديث على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.
(٤) الأسراف -بالفتح- آخره" فاء": موضع شامي البقيع. وفاء الوفاء (٤/ ١١٢٥).
[ ١٠٣ ]
قال: "هذه سجدة سجدتها شكرًا لربي فيما آتاني في أمتي، من صلى علي صلاة كتب الله له عشر حسنات" (^١).
وفي رواية "إني سجدت هذه السجدة شكرا لله ﷿ فبما آتاني في أمتي، فإنه من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشرًا" (^٢).
وعن أبي طلحة "أن رسول الله ﷺ خرج عليهم يوما يعرفون البشر في وجهه فقالوا: إنا نعرف الآن في وجهك البشر يا رسول الله. قال: أجل أتاني الآن آت من ربي فأخبرني أنه لن يصلي علي أحد من أمتي إلا ردها الله عليه عشر أمثالها" (^٣).
وفي رواية: "أن رسول الله ﷺ جاء يومًا والبِشر يُرى في وجهه فقالوا: يا رسول الله إنا نرى في وجهك بِشرًا لم نكن نراه، قال: أجل إنه أتاني ملك فقال يا محمد إن ربك يقول أما يرضيك ألا يصلي عليك أحد من أمتك إلا صليت عليه عشرا، ولا سلم عليك إلا سلمت عليه عشرا" (^٤).
_________________
(١) أخرجه بهذا اللفظ إسماعيل القاضي في فضل الصلاة على النبي ﷺ (ص ٦ - ٧) ح ١٠.
(٢) أورده ابن القيم في جلاء الأفهام (ص ٦٤) وعزاه لابن أبي الدنيا والسخاوي في القول البديع (ص ١١٢) وعزاه لابن أبي عاصم وابن أبي الدنيا.
(٣) أخرجه إسماعيل القاضي في فضل الصلاة على النبي ﷺ ص ٣ ح رقم ١
(٤) أخرجه الإمام أحمد في المسند (٤/ ٣٠). وإسماعيل القاضي، في فضل الصلاة على النبي ﷺ (ص ٣ - ٤) ح ٢، والنسائي في السنن (٣/ ٤٤ و٥٠) كتاب الصلاة، باب فضل التسليم على النبي ﷺ، وباب الفضل في الصلاة على النبي ﷺ. وكذلك أخرجه النسائي في عمل اليوم والليلة، باب ثواب الصلاة على النبي ﷺ وقال الحافظ ابن حجر (رواته ثقات) فتح الباري (١١/ ١٦٧) وأخرجه الحاكم في المستدرك (١/ ٥٥٠)، وابن حبان في صحيحه (٢٣٩١) موارد.
[ ١٠٤ ]
وفي رواية: "أصبح رسول لله ﷺ يومًا طيب النفس يرى في وجهه البشر. قالوا: يا رسول الله أصبحت اليوم طيب النفس يرى في وجهك البشر. قال: "أجل أتاني آت من ربي ﷿ فقال: من صلى عليك من أمتك صلاة كتب الله له بها عشر حسنات ومحا عنه عشر سيئات ورفع له عشر درجات ورد عليه مثلها" (^١).
وعن أبي بردة بن نيار (^٢) قال: قال رسول لله ﷺ "من صلى علي من أمتي صلاة مخلصًا من قلبه، صلى الله عليه بها عشر صلوات، ورفعه بها عشر دارجات، كتب له بها عشر حسنات ومحا عنه عشر سيئات" (^٣).
وعن فضالة بن عبيد ﵁ قال: "سمع رسول الله ﷺ رجلا يدعو في صلاته لم يمجد الله، ولم يصل على النبي ﷺ فقال رسول الله ﷺ: "عجل هذا".
ثم دعاه فقال له أو لغيره: "إذا صلى أحدكم فليبدأ بتمجيد الله
_________________
(١) أخرجه بهذا اللفظ الإمام أحمد في المسند (٤/ ٢٩). قال الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة (٢/ ٥٠٣) ح رقم ٨٢٩ عن رواية أحمد هذه" وهذا إسناد ضعيف، لسوء حفظ أبي معشر، وإسحاق بن كعب مجهول الحال فهو إسناد لا بأس به في الشواهد والمتابعات" انتهى كلامه والحديث له شواهد متعددة سبق ذكر بعضها.
(٢) هانيء بن نيار بن عمرو البلوي، أبو بردة بن نيار حليف الأنصار، خال البراء بن عازب مشهور بكنيته وقيل اسمه الحرث وقيل مالك والأول أشهر، صحابي جليل شهد بدرا وما بعدها، مات في أول خلافة معاوية. الإصابة (٣/ ٥٦٥) - (٤/ ١٩).
(٣) أخرجه النسائي في عمل اليوم والليلة (ص ١٦٦، ١٦٧) ح رقم ٦٤، باب ثواب الصلاة على النبي ﷺ وقال ابن حجر: رواته ثقات. فتح الباري (١١/ ١٦٧). وأورده ابن القيم في جلاء الأفهام (ص ٨٣، ٨٤) وعزاه للطبراني في المعجم الكبير وابن أبي عاصم في كتاب الصلاة على النبي ﷺ.
[ ١٠٥ ]
والثناء عليه ثم يصلِّي عليَّ، ثم يدعو بما شاء" (^١).
وفي رواية: "سمع رسول الله ﷺ رجلًا يدعو في صلاته لم يمجد الله ولم يصل على النبي ﷺ فقال رسول الله ﷺ "عجلت أيها المصلي" ثم علَّمهم رسول الله ﷺ وسمع رسول الله ﷺ رجلا يصلي فمجد الله وحمده وصلى على النبي ﷺ فقال رسول الله ﷺ "ادع تجب وسل تعط" (^٢).
وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "إن أولى الناس بي يوم القيامة أكثرهم علي صلاة" (^٣).
فالمتأمل في هذه الأحاديث يعرف عظم فضل الصلاة على النبي ﷺ. وقد ذكر ابن القيم ﵀ في الباب الرابع من كتابه القيم "جلاء الأفهام" عددا من الفوائد والثمرات الحاصلة بالصلاة عليه ﷺ أنتقى منها ما يلي:
الفائدة الأولى: امتثال أمر الله تعالى.
الثانية: موافقته سبحانه في الصلاة عليه ﷺ، وإن اختلفت الصلاتان، فصلاتنا عليه دعاء وسؤال، وصلاة الله تعالى عليه ثناء وتشريف.
_________________
(١) أخرجه أبو داود في كتاب الصلاة، باب الدعاء برقم (٤٨١١) وأحمد في مسنده (٦/ ١٧).
(٢) سنن النسائي (٣/ ٤٤)، باب التمجيد والصلاة على النبي ﷺ قال الألباني في صحيح سنن النسائي، صحيح الترمذي (٣٧٢٤).
(٣) أخرجه الترمذي في سننه (٢/ ٣٥٤)، باب ما جاء في فضل الصلاة على النبي ﷺ رقم ٤٨٤ وقال الترمذي هذا حديث حسن غريب. وأخرجه ابن حبان في صحيحه. انظر موارد الظمآن (٢٣٨٩). وأورده ابن القيم في جلاء الأفهام وعزاه كذلك إلى البزار والبغوي جلاء الأفهام (ص ٥٣). وقال ابن حجر في الفتح (١١/ ١٦٧) وله شاهد عند البيهقي عن أبي أمامة بلفظ "صلاة أمتي تعرض عليَّ في كل يوم جمعة فمن كان أكثرهم علي صلاة كان أقربهم مني منزلة" ولا بأس بسنده انتهي كلامه.
[ ١٠٦ ]
الثالثة: موافقة ملائكته فيها.
الرابعة: حصول عشر صلوات من الله على المصلي مرة.
الخامسة: أنه يرفع عشر درجات.
السادسة: أنه يكتب له عشر حسنات.
السابعة: أنه يمحي عنه عشر سيئات.
الثامنة: أنه يرجى إجابة دعائه إذا قدمها أمامه، فهي تصاعد الدعاء إلى عند رب العالمين.
التاسعة: أنها سبب لشفاعته ﷺ إذا قرنها بسؤال الوسيلة له.
العاشرة: أنها سبب لغفران الذنوب.
الحادية عشرة: أنها سبب لكفاية الله العبد ما أهمَّه.
الثانية عشرة: أنها سبب لقرب العبد منه ﷺ يوم القيامة.
الثالثة عشرة: أنها سبب لدوام محبته للرسول ﷺ وزيادتها وتضاعفها، وذلك عقد من عقود الإيمان الذي لا يتم إلا به، لأن العبد كلما أكثر من ذكر المحبوب، واستحضاره في قلبه، واستحضار محاسنه ومعانيه الجالبة لحبه، تضاعف حبه له وتزايد شوقه إليه، واستولى على جميع قلبه، وإذا أعرض عن ذكره وإحضار محاسنه بقلبه، نقص حبه من قلبه، ولا شيء أقر لعين المحب من رؤية محبوبه، ولا أقر لقلبه من ذكره وإحضار محاسنه فإذا قوي هذا في قلبه جرى لسانه بمدحه والثناء عليه وذكر محاسنه، وتكون زيادة ذلك ونقصانه بحسب زيادة الحب ونقصانه في قلبه، والحس شاهد بذلك. فقلب المؤمن توحيد الله وذكر رسوله مكتوبان فيه لا يتطرق إليهما محو ولا إزالة ودوام الذكر سبب لدوام المحبة، فالذكر للقلب كالماء للزرع، بل كالماء للسمك، لا حياة له إلا به …
الرابعة عشرة: أن الصلاة عليه ﷺ سبب لمحبته للعبد، فإنها إذا كانت سببًا لزيادة محبة المصلي عليه له، فكذلك هي سبب لمحبته هو للمصلي عليه ﷺ.
[ ١٠٧ ]
الخامسة عشرة: أنها سبب لهداية العبد وحياة قلبه، فإنه كلما أكثر الصلاة عليه وذكره، استولت محبته على قلبه، حتى لألقى في قلبه معارضة لشيء من أوامره ولا شك في شيء مما جاء به، بل يصير ما جاء به مكتوبا مسطورا في قلبه لا يزال يقرؤه على تعاقب أحواله، ويقتبس الهدى والفلاح وأنواع العلوم منه، وكلما ازداد في ذلك بصيرة وقوة ومعرفة ازدادت صلاته عليه ﷺ.
ولهذا كانا صلاة أهل العلم - العارفين بسُنَّته وهديه المتبعين له عليه، خلاف صلاة العوام عليه الذين حظهم منها إزعاج أعضائهم بها ورفع أصواتهم.
وأما أتباعه العارفون بسُنَّته العالمون بما جاء به فصلاتهم عليه نوع آخر، فكلما ازدادوا فيما جاء به معرفة ازدادوا له محبة ومعرفة بحقيقة الصلاة المطلوبة له من الله.
وهكذا ذكر الله سبحانه، كلما كان العبد به أعرف وله أطوع وإليه أجل كان ذكره غير ذكر الغافلين واللاهين، وهذا أمر إنما يعلم بالخبر لا بالحبر وفرق بين من يذكر صفات محبوبه الذي قد ملك حبه جميع قلبه ويثني عليه بها ويمجده بها، وبين من يذكرها إما إمارة وإما لفظًا، لا يدري ما معناه، ولا يطابق فيه قلبه لسانه، كما أنه فرق بين بكاء النائحة وبكاء الثكلى.
فذكره وذكر ما جاء به، وحمد الله تعالى على إنعامه علينا ومنته بإرساله هو حياة الوجود وروحه، كما قيل:
روح المجالس ذكره وحديثه … وهدى لكل ملدد حيران
وإذا أخلَّ بذكره في مجلس … فأولئك الأموات في الحيَّان
السادسة عشرة: أنها سبب لعرض اسم المصلي عليه ﷺ وذكره عنده، كما تقدم قوله ﷺ "إن صلاتكم معروضة علي" وكفى بالعبد نبلًا أن يذكر اسمه بين يدي رسول الله ﷺ.
[ ١٠٨ ]
السابعة عشرة: أن الصلاة عليه ﷺ أداء لأقل القليل من حقه، وشكر له على نعمته التي أنعم الله ﷿ علينا، مع أن الذي يستحقه من ذلك لا يحصى علمًا ولا قدرة ولا إرادة، ولكن الله سبحانه لكرمه رضي من عباده باليسير من شكره وأداء حقه.
الثامنة عشرة: أنها متضمنة لذكر الله وشكره، ومعرفة إنعامه على عبده بإرساله، فالمصلي عليه ﷺ قد تضمنت صلاته عليه ذكر الله وذكر رسوله، وسؤاله أن يجزيه بصلاته عليه ما هو أهله، كما عرفنا ربنا أسماءه وصفاته، وهدانا إلى طريق مرضاته، وعرفنا ما لنا بعد الوصول إليه والقدوم عليه، فهي متضمنة لكل الإيمان، بل هي متضمنة للإقرار بوجود الرب المدعو وعلمه وسمعه وقدرته وإرادته وصفاته وكلامه، وإرسال رسوله وتصديقه في أخباره كلها، وكمال محبته، ولا رضا أن هذه هي أصول الإيمان، فالصلاة عليه ﷺ متضمنة لعلم العبد ذلك، وتصديقه به، ومحبته له، فكانت من أفضل الأعمال.
التاسعة عشرة: أن الصلاة عليه ﷺ من العبد هي دعاء، ودعاء العبد وسؤاله من ربه نوعان:
أحدهما: سؤاله حوائجه ومهماته، وما ينوبه في الليل والنهار فهذا دعاء وسؤال، وإيثار لمحبوب العبد ومطلوبة.
الثاني: سؤاله أن يثني على خليله وحبيبه، ويزيد في تشريفه وتكريمه.
وإيثار ذكره، ورفعه، ولا ريب أن الله تعالى يحب ذلك ورسوله يحبه، فالمصلي عليه ﷺ قد صرف سؤاله ورغبته وطلبه إلى كتاب الله ورسوله، وآثر ذلك على طلبه وحوائجه ومحابه هو، بل كان هذا المطلوب من أحب الأمور إليه وآثرها عنده، فقد آثر ما يحبه الله ورسوله على ما يحبه هو، وقد آثر الله ومحابه على سواه، والجزاء من جنس العمل، فمن آثر الله على غيره آثره الله على غيره.
[ ١٠٩ ]
واعتبر هذا بما تجد الناس يعتمدونه عند ملوكهم ورؤسائهم إذا أرادوا التقرب والمنزلة عندهم، فإنهم يسألون المطاع أن يُنعم على من يعلمونه أحب رعيته إليه، وكلما سألوه أن يزيد في حبائه وإكرامه وتشريفه، علت منزلتهم عنده، وازداد قربهم منه، وحظوا به لديه، لأنهم يعلمون منه إرادة الإنعام والتشريف والتكريم لمحبوبهم، فأحبهم إليه أشدهم له سؤالا ورغبة أن يتم عليه إنعامه وإحسانه، وهذا أمر مشاهد بالحس، ولا تكون منزلة هؤلاء ومنزلة من سأل المطاع حوائجه هو - وهو فارغ من سؤاله تشريف محبوبه والإنعام عليه - واحدة.
فكيف بأعظم محب وأنه لأكرم محبوب وأحقه بمحبه ربه له.؟ ولو لم يكن من فوائد الصلاة عليه إلا هذا المطلوب وحده لكفى المؤمن به شرفًا (^١).
وكما وردت أحاديث تذم تارك الصلاة عليه ﷺ.
فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال: رسول الله ﷺ: "رغم أنف رجل ذُكرت عنده فلم يصلِّ عليَّ، ورغم أنف رجل دخل عليه رمضان ثم انسلخ قبل أن يغفر له، ورغم أنف رجل أدرك عنده أبواه الكبر فلم يدخلاه الجنة" (^٢) وعن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ "البخيل من ذكرت عنده فلم يصلِّ عليَّ" (^٣).
وعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ "من نسي الصلاة عليَّ خطيء طريق الجنة" (^٤).
_________________
(١) جلاء الأفهام (ص ٣٣٥، ٣٤٤) بتصرف.
(٢) تقدم تخريجه (ص ٨١).
(٣) تقدم تخريجه (ص ٨٢).
(٤) أخرجه ابن ماجه في كتاب الصلاة، باب الصلاة على النبي ﷺ: "قال الحافظ ابن حجر ﵀ في فتح الباري (١١/ ١٦٨) أخرجه ابن ماجه عن ابن عباس ﵁، والبيهقي في الشعب من حديث أبي هريرة ﵁ والطبراني من حديث حسين بن علي ﵁، وهذه الطرق يَشُدّ بعضه بعضًا".
[ ١١٠ ]