قال ابن القيم: "وهذا قد اختلف فيه:
القول الأول: قال الشافعي في "الأم": "يصلي على النبي ﷺ في التشهد الأول (^٣) وهذا هو المشهور من مذهبه وهو الجديد، ولكنه يستحب وليس بواجب.
القول الثاني: قال الشافعي في "القديم": "لا يزيد على التشهد" وهذه رواية المزني (^٤) عنه، وبهذا قال أحمد وأبو حنيفة ومالك وغيرهم.
واحتج لقول الشافعي بما رواه الدارقطني بسنده عن ابن عمر قال كان رسول الله ﷺ يعلمنا التشهد التحيات الطيبات الزاكيات لله، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله
_________________
(١) انظر جلاء الأفهام (ص ٢٥١ - ٢٧٦).
(٢) صرفت النظر عن إيراد أدلة كل فريق نظرًا:
(٣) كثرة الأدلة والاعتراضات الواردة في هذه المسألة.
(٤) كون المسألة تتعلق بالنواحي الفقهية، فهذا مما يتعارض مع منهجية البحث الذي يتناول النواحي العقدية.
(٥) الأم للشافعي (١/ ١١٧).
(٦) إسماعيل بن يحيى بن إسماعيل، أبو إبراهيم المزني: صاحب الإمام الشافعي، كان زاهدا عالما مجتهدا قوي الحجة، توفي سنة ٢٦٤ هـ. الأعلام (١/ ٣٢٩).
[ ٦٤ ]
الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله ثم يصلي على النبي ﷺ " (^١).
وروى الدارقطني أيضًا من حديث عمرو بن شمَّر عن جابر عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه، قال: قال رسول الله ﷺ: "يا بريدة إذا صليت في صلاتك فلا تتركن الصلاة علي فيها، فإنها زكاة الصلاة" (^٢).
قالوا: وهذا يعم الجلوس الأول والآخر.
واحتج له أيضًا بأن الله تعالى أمر المؤمنين بالصلاة والتسليم على رسوله ﷺ فدل على أنه حيث شرع التسليم عليه شرعت الصلاة عليه، ولهذا سأله أصحابه عن كيفية الصلاة عليه، وقالوا "قد علمنا كيف نسلم عليك فكيف نصلي عليك؟ " فدل على أن الصلاة عليه مقرونة بالسلام عليه ﷺ، ومعلوم أن المصلي يسلم على النبي ﷺ فيشرع له أن يصلي عليه.
قالوا: ولأنه مكان شرع فيه التشهد والتسليم على النبي ﷺ فشرع فيه الصلاة عليه كالتشهد الأخير.
قالوا: ولأن التشهد الأول محل يستحب فيه ذكر الرسول ﷺ فاستحب فيه الصلاة عليه، لأنه أكمل في ذكره.
قالوا: ولأن في حديث محمد بن إسحاق: كيف نصلي عليك إذا نحن جلسنا في صلاتنا؟ (^٣).
_________________
(١) أخرجه الدارقطني في السنن، كتاب الصلاة، باب صفة التشهد ووجوبه واختلاف الروايات فيه (١/ ٣٥١) وإسناده ضعيف جدًّا؛ لأن فيه خارجة بن مصعب: متروك، وموسى بن عبيدة: ضعيف.
(٢) أخرجه الدارقطنى في السنن، كتاب الصلاة، باب ذكر وجوب الصلاة على النبي ﷺ في التشهد (١/ ٣٥٥) وإسناده ضعيف فيه عبد المهيمن بن عباس لا يحتج به.
(٣) أخرجه أحمد في المسند (٤/ ١١٩) والحاكم في المستدرك (١/ ٢٦٨).
[ ٦٥ ]
وقال الآخرون: ليس التشهد الأول بمحل لذلك، وهو القديم من قولي الشافعي رحمه الله تعالى، وهو الذي صححه كثير من أصحابه؛ لأن التشهد الأول تخفيفه مشروع، وكان النبي ﷺ إذا جلس فيه كأنه على الرضف (^١) (^٢).
ولم يثبت عنه أنه كان يفعل ذلك فيه، ولا علّمه للأمة، ولا يعرف أن أحدا من الصحابة استحبه، ولأن مشروعية ذلك لو كانت كما ذكرتم من الأمر لكانت واجبة في المحل كما في الأخير، لتناول الأمر لهما، ولأنه لو كانت الصلاة مستحبة في هذا الموضع، لاستحب فيه الصلاة على آله ﷺ لأن النبي ﷺ لم يفرد نفسه دون آله بالأمر بالصلاة عليه، بل أمرهم بالصلاة عليه وعلى آله في الصلاة وغيرها.
ولأنه لو كانت الصلاة عليه في هذه المواضع مشروعة لشرع فيها ذكر إبراهيم وآل إبراهيم، لأنها هي صفة الصلاة المأمور بها، ولأنها لو شرعت في هذه المواضع لشرع فيها الدعاء بعدها لحديث فضالة، ولم يكن فرق بين التشهد الأول والأخير.
قالوا: وأما ما استدللتم به من الأحاديث فمع ضعفها لا تدل، لأن المراد بالتشهد فيها هو الأخير دون الأول بما ذكرناه من الأدلة (^٣).
_________________
(١) الرضف: الحجارة المحماة على النار، واحدتها: رضفة. النهاية (٢/ ٢٣١)
(٢) أخرجه أحمد في المسند (١/ ٣٨٦، ٤١٠، ٤٢٨، ٤٣٦، ٤٦٠). وأخرجه أبو داود في السنن، كتاب الصلاة، باب تخفيف القعود (١/ ٦٠٦). ح ٩٩٥ وأخرجه الترمذي في السنن، أبواب الصلاة، باب ما جاء في مقدار القعود في الركعتين الأوليين (٢/ ٢٠٢) ح ٣٦٦. وقال الترمذي: "هذا حديث حسن إلا أن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه. والعمل على هذا عند أهل العلم يختارون أن لا يطيل الرجل القعود في الركعتين الأوليين ولا يزيد على التشهد شيئا" انتهى كلامه.
(٣) جلاء الأفهام (ص ٢٧٧ - ٢٧٩).
[ ٦٦ ]