قال ابن القيم: "وقد اختلفت في وجوبها كلما ذكر اسمه ﷺ فقال أبو جعفر الطحاوي (^٥) وأبو عبيد الله الحليمي: تجب الصلاة عليه ﷺ كلما ذكر اسمه. وقال غيرهما إن ذلك مستحب، وليس بفرض يأثم تاركه. ثم اختلفوا: فقالت فرقة: تجب الصلاة عليه في العمر مرة
_________________
(١) ترة: النقص، وقيل التبعة. النهاية (١/ ١٨٩).
(٢) أخرجه الإمام أحمد في المسند (٢/ ٤٤٦، ٤٥٣، ٤٨١، ٤٨٤) وأخرجه الترمذي في السنن، كتاب الدعاء، باب في القوم يجلسون لا يذكرون الله (٥/ ١٤٦) ح ٣٣٨٠ وقال حديث حسن صحيح. وأخرجه ابن السني في عمل اليوم والليلة (ص ١٥٩) ح ٤٤٩ وأخرجه الحاكم في المستدرك (١/ ٤٩٦) وقال هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه وصالح ليس بالساقط وتعقبه الذهبي بقوله صالح ضعيف. وأخرجه ابن حبان في صحيحه. انظر موارد الظمآن (٢٣٢٢).
(٣) أخرجه النسائي في عمل اليوم والليلة (ص ٣١٤) ح ٤١٠ وأخرجه إسماعيل بن إسحاق في فضل الصلاة على النبي ﷺ (ص ٢٢) ح ٥٥. وقال الألباني في تعليقه عليه: إسناده صحيح موقوف، ولكنه في حكم المرفوع.
(٤) أخرجه النسائي في عمل اليوم والليلة (ص ٣١٤) ح ٤١١.
(٥) أحمد بن محمد بن سلامة الأزدي الطحاوي، أبو جعفر، فقيه انتهت إليه رياسة الحنفية بمصر، وهو أحد الثقات الأثبات الحفاظ، توفي سنة ٣٢١ هـ. الأعلام (١/ ٢٠٦).
[ ٧٩ ]
واحدة، لأن الأمر مطلق لا يقتضي تكرارا، والماهية تحصل بمرة، وهذا محكي عن أبي حنيفة ومالك، والثوري، والأوزاعي" (^١).
قال القاضي عياض وابن عبد البر: وهو قول جمهور الأمة.
وقالت فرقة: بل تجب في كل صلاة في تشهدها الأخير كما تقدم، وهو قول الشافعي وأحمد في آخر الروايتين عنه، وغيرهما.
وقالت فرقة: الأمر بالصلاة عليه أمر استحباب لا أمر إيجاب، وهذا قول ابن جرير وطائفة، وادعى ابن جرير فيه الإجماع، وهذا على أصله فإنه إذا رأي الأكثرين على قول، جعله إجماعا يجب اتباعه.
واحتج الموجبون بحجج:
• الحجة الأولى: حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "رَغِمَ أنف رجل ذُكرت عنده فلم يصلِّ عليَّ، ورغم أنف رجل دخل عليه رمضان ثم انسلخ قبل أن يغفر له، ورغم أنف رجل أدرك عنده أبواه الكبر فلم يدخلاه الجنة" (^٢).
ورغم أنفه: دعاء عليه وذم له، وتارك المستحب لا يذم ولا يدعى عليه.
_________________
(١) عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي، أهله من سبي السند استقر بدمشق وهو من شيوخ الإسلام كان عابدا مجاهدا، قال عنه الحاكم: الأوزاعي إمام عصره عموما وإمام أهل الشام خصوصا، توفي ببيروت عام ١٥٧ هـ. البداية والنهاية (١٠/ ١١٥ - ١٢٠).
(٢) أخرجه الترمذي في سننه، كتاب الدعوات، باب قول النبي ﷺ: "رغم أنف رجل" برقم ٣٥٤٥ وقال: "وهذا حديث حسن غريب من هذا الوجه. وأخرجه الحاكم في المستدرك (١/ ٥٤٩) وصححه ووافقه الذهبي. وأخرجه إسماعيل بن إسحاق القاضي في كتابه فضل الصلاة على النبي ﷺ (ص ٩) ح ١٦ وقال الألباني في تعليقه عليه إسناده صحيح، رجاله رجال الصحيح.
[ ٨٠ ]
• الحجة الثانية: حديث أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ، أنه صعد المنبر فقال: "آمين، آمين، آمين"، فقيل له: يا رسول الله، ما كنت تصنع هذا؟ فقال: "قال لي جبريل رغم أنف عبد دخل عليه رمضان ولم يغفر له، فقلت: آمين، ثم قال: رغم أنفه عبد أدرك أبويه أو أحدهما الكبر لم يدخل الجنة، فقلت: آمين ثم قال: رغم أنف عبد ذُكرتَ عنده فلم يصل عليك، فقلت: آمين" (^١).
_________________
(١) أخرجه إسماعيل بن إسحاق القاضي في كتابه فضل الصلاة على النبي ﷺ (ص ٩) ح ١٨ وقال الألباني في تعليقه عليه: إسناده حسن؛ وأخرجه ابن حبان في صحيحه. انظر موارد الظمآن (٢٣٨٧) والحديث روي كذلك من طرق أخرى عن كل من:
(٢) كعب بن عجرة ﵁: أخرجه إسماعيل بن إسحاق في كتابه فضل الصلاة على النبي ﷺ (ص ١٥) ح ١٩. وأخرجه الحاكم في المستدرك (٤/ ١٥٣، ١٥٤) وصححه ووافقه الذهبي.
(٣) أنس بن مالك ﵁: قال السخاوي في القول البديع (ص ١٤٨) أخرجه ابن أبي شيبة والبزار في مسنديهما.
(٤) مالك بن الحويرث ﵁: أخرجه ابن حبان في صحيحه (٢٣٨٦) موارد، وقال السخاوي (ص ١٤٨) أخرجه ابن حبان في صحيحه وثقاته معا، والطبراني ورجاله ثقات لكن فيهم عمران بن أبان الراسطي وهو وإن وثقه ابن حبان وأخرج حديثه هذا في صحيحه فقد ضعفه غير واحد.
(٥) جابر بن عبد الله ﵁: أخرجه البخاري في الأدب المفرد (ص ٩٥). وقال السخاري في كتابه القول البديع (ص ١٤٨): رواه البخاري في الأدب المفرد والطبري في تهذيبه والدارقطي في الأفراد وهو حديث حسن ونحوه من وجه آخر عند الطبراني في الأوسط وابن السني في عمل اليوم والليلة، وأشار إليه الترمذي في جامعه بقوله وفي الباب عن جابر وقد أخرجه النسائي وساقه الضياء في المختارة =
[ ٨١ ]
• الحجة الثالثة: حديث أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "من ذكرت عنده فليصل علي، فإنه من صلى علي مرة صلى الله عليه عشرا" (^١). وهذا إسناد صحيح والأمر ظاهره الوجوب.
• الحجة الرابعة: حديث الحسين بن علي (^٢) ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: "إن البخيل من ذكرت عنده فلم يصل علي" (^٣).
وعن عوف بن مالك الأشجعي أن رسول الله ﷺ قعد أو قعد أبو ذر - فذكر حديثا طويلا - وفيه قال رسول الله ﷺ "إن أبخل الناس من
_________________
(١) = من طريق الطيالسي وقال هذا عندي على شرط مسلم. انتهي وفي ذلك نظر والله أعلم.
(٢) جابر بن سمرة ﵁: قال السخاوي: أخرجه الدارقطني في الأفراد والبزار في مسنده، والطبراني في الكبير والدقيقي في أماليه. وللحديث طرق أخرى ذكرها السخاوي في القول البديع (ص ١٤٧ - ١٥١) ولا يتسع المجال هنا لذكرها. قال ابن القيم: "ولا ريب أن الحديث بتلك الطرق المتعددة تفيد الصحة"، جلاء الأفهام (ص ٢٩٥).
(٣) أخرجه النسائي في اليوم والليلة رقم (٦١) وابن السني (٣٨٣) وإسناده صحيح. وأخرجه البخاري في الأدب المفرد (٦٤٣).
(٤) الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشمي، أبو عبد الله المدني: سبط رسول الله ﷺ وريحانته من الدنيا، وأحد سيدي شباب أهل الجنة، استشهد يوم عاشوراء سنة إحدى وستين وله ست وخمسرن سنة. الإصابة (١/ ٣٣٠ - ٣٣٤).
(٥) أخرجه الإمام أحمد في المسند (١/ ٢٠١). والترمذي في سننه، كتاب الدعوات، باب قول رسول الله ﷺ "رغم أنف رجل" (٥/ ٥٥١) ح ٣٥٤٦ وقال: حديث حسن صحيح غريب والنسائي في اليوم والليلة (٥٥). وابن حبان في صحيحه (٢٣٨٨) موارد. والحاكم في المستدرك (١/ ٥٤٩) وصححه ووافقه الذهبي. وأخرجه إسماعيل بن إسحاق القاضي في فضل الصلاة على النبي ﷺ (ص ١٥) ح ٣٣.
[ ٨٢ ]
ذكرت عنده فلم يصل علي" (^١).
قالوا: فإذا ثبت أنه بخيل، فوجه الدلالة به من وجهين:
أحدها: أن البخل اسم ذم، وتارك المستحب لا يستحق اسم الذم قال الله تعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ ويَأْمُرُونَ النّاسَ بِالبُخْلِ﴾ [الحديد] فقرن البخل بالاختيال والفخر، والآمر بالبخل، وذم على المجموع، فدل على أن البخل صفة ذم، وقال النبي ﷺ: "وأي داء أدوأ من البخل" (^٢).
الثاني: أن البخيل هو مانع ما وجب عليه، فمن أدى الواجب عليه كله لم يسم بخيلا، وإنما البخيل مانع ما يستحق عليه إعطاؤه وبذله.
• الحجة الخامسة: أن الله ﷾ أمر بالصلاة والتسليم عليه، والأمر المطلق للتكرار، ولا يمكن أن يقال: التكرار هو كل وقت، فإن الأوامر المكررة إنما تتكرر في أوقات خاصة، أو عند شروط وأسباب تقتضي تكرارها، وليس وقت أولى من وقت، فتكرار المأمور بتكرار ذكر النبي ﷺ أولى لما تقدم من النصوص، فهنا ثلاث مقدمات:
الأولى: أن الصلاة مأمور بها أمرا مطلقا، وهذه معلومة.
المقدمة الثانية: أن الأمر المطلق يقتضي التكرار، وهذا مختلف فيه فنفاه طائفة من الفقهاء والأصوليين. وأثبته طائفة. وفرَّقت طائفة بين
_________________
(١) أخرجه إسماعيل بن إسحاق القاضي (ص ١٦) رقم ٣٧ وقال الألباني في تعليقه عليه: حديث صحيح بشاهده المتقدم والآتي بعده، ورجال إسناده ثقات لولا الرجل الذي لم يسم. وقد رواه ابن أبي عاصم في "كتاب الصلاة" من طريق أخرى عن علي بن يزيد عن القاسم عن أبي ذر، فأحد الطريقين يقوى الآخر.
(٢) أخرجه البخاري في الأدب المفرد رقم (٢٩٦) عن جابر ﵁ والإمام أحمد في المسند (٣/ ٣٠٧).
[ ٨٣ ]
الأمر المطلق والمعلَّق على شرط أو وقت، فأثبتت التكرار في المعلق دون المطلق. والأقوال الثلاثة في مذهب أحمد والشافعي، وغيرهما.
ورجَّحت هذه الطائفة التكرار بأن عامة أوامر الشرع على التكرار كقوله تعالى: ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ [الحديد: ٧] وقوله ﴿ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ﴾ [البقرة: ٢٠٨] وقوله تعالى: ﴿أطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [النساء: ٥٩]، وقوله تعالى: ﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾ [البقرة: ١٨٩]، وقوله تعالى: ﴿وأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ﴾ [البقرة: ٤٣]، وقوله تعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وصابِرُوا ورابِطُوا واتَّقُوا اللَّهَ﴾ [آل عمران: ٢٠٠] وقوله تعالى: ﴿وخافُونِ﴾ [آل عمران: ١٧٥].
وقوله: ﴿واخْشَوْنِي﴾ [البقرة: ١٥٠]، وقوله: ﴿واعْتَصِمُوا بِاللَّهِ﴾ [الحج: ٧٨]، وقوله: ﴿واعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾ [آل عمران: ١٠٣].
وذلك في القرآن أكثر من أن يحصر، وإذا كانت أوامر الله ورسوله على التكرار حيث وردت إلا في النادر، علم أن هذا عرف خطاب الله ورسوله للأمة، والأمر وإن لم يكن في لفظه المجرد ما يؤذن بتكرار ولا فور فلا ريب أنه في عرف خطاب الشارع للتكرار، فلا يحمل كلامه إلا على عرفه والمألوف من خطابه، وإن لم يكن ذلك مفهوما من أصل الوضع في اللغة، وهذا كما قلنا: ان الأمر يقتضي الوجوب، والنهي يقتضي الفساد، فإن هذا معلوم من خطاب الشارع وإن كان لا تعرض لصحة المنهي ولا لفساده في أصل موضوع اللغة، وكذا خطاب الشارع لواحد من الأمة يقتضي معرفة الخاص أن يكون اللفظ متناولا له ولأمثاله، وإن كان موضوع اللفظ لغة لا يقتضي ذلك، فإن هذا لغة صاحب الشرع وعرفه في مصادر كلامه وموارده، وهذا معلوم بالاضطرار من دينه قبل أن يعلم صحة القياس واعتباره وشروطه، وهكذا الفرق بين اقتضاء اللفظ وعدم اقتضائه لغة، وبين اقتضائه في عرف الشارع وعادة خطابه.
[ ٨٤ ]
المقدمة الثالثة: أنه إذا تكرر المأمور به، فإنه لا يتكرر إلا بسبب أو وقت، وأولى الأسباب المقتضية لتكراره ذكر اسمه ﷺ، لإخباره برغم أنف من ذكر عنده فلم يصل عليه، وللإسجال عليه بالبخل وإعطائه اسمه.
قالوا: ومما يؤيد ذلك أن الله سبحانه أمر عباده المؤمنين بالصلاة عليه عقب إخباره لهم بأنه وملائكته يصلون عليه، لم يكن مرة وانقطعت. بل في صلاة متكررة، ولهذا ذكرها مبينًا بها فضله وشرفه وعلو منزلته عنده، ثم أمر المؤمنين بها، فتكرارها في حقهم أحق وآكد لأجل الأمر.
قالوا: ولأن الله أكد السلام بالمصدر الذي هو التسليم، وهذا يقتضي المبالغة والزيادة في كميته، وذلك بالتكرار.
قالوا: ولأن لفظ الفعل المأمور به يدل على التكثير وهو "صلى وسلم" فإن "فعَّل" المشدد، يدل على تكرار الفعل، كقولك كسّر الخبرز وقطَّع اللحم، وعلّم الخير، وشدّد في كذا، ونحوه.
قالوا: ولأن الأمر بالصلاة عليه في مقابل إحسانه إلى الأمة، وتعليمهم وإرشادهم وهدايتهم، وما حصل لهم ببركته من سعادة الدنيا والآخرة، ومعلوم أن مقابلة مثل هذا النفع العظيم لا يحصل بالصلاة عليه مرة واحدة في العمر، بل لو صلى العبد عليه بعدد أنفاسه لم يكن موفيا لحقه ولا مؤديا لنعمته، فجعل ضابط شكر هذه النعمة بالصلاة عليه عند ذكر اسمه ﷺ.
قالوا: ولهذا أشار النبي ﷺ إلى ذلك بتسميته من لم يصل عليه عند ذكره بخيلا، لأن من أحسن إلى العبد الإحسان العظيم، وحصل له به هذا الخير الجسيم، ثم يذكر عنده ولا يثني عليه ولا يبالغ في حمده ومدحه وتمجيده، ويبدي ذلك ويعيده، ويعتذر من التقصير في القيام بشكره وحقه، عده الناس بخيلا لئيما كفورا فكيف بمن أدنى إحسانه إلى العبد يزيد على أعظم إحسان المخلوقين بعضهم لبعض الذي بإحسانه
[ ٨٥ ]
حصل للعبد خير الدنيا والآخرة، ونجا من شر الدنيا والآخرة، الذي لا تتصور القلوب حقيقة نعمته وإحسانه، فضلًا عن أن تقوم بشكره، أليس هذا المنعم المحسن أحق بأن يعظم ويثنى عليه، ويستفرغ الوسع في حمده ومدحه إذا ذكر بين الملأ، فلا أقل من أن يصلى عليه مرة إذا ذكر اسمه ﷺ.
قالوا: ولهذا دعا عليه النبي ﷺ برغم أنفه، وهو أن يلصق أنفه بالرغام وهو التراب، لأنه لما ذكر عنده فلم يصل عليه استحق أن يذله الله ويلصق أنفه بالتراب.
قالوا: ولأن الله سبحانه نهى الأمة أن يجعلوا دعاء الرسول بينهم كدعاء بعضهم بعضا، فلا يسمونه إذا خاطبوه باسمه، كما يسمى بعضهم بعضا بل يدعونه برسول الله ونبي الله، وهذا من تمام تعزيره وتوقيره وتعظيمه، فهكذا ينبغي أن يخص باقتران اسمه بالصلاة عليه، ليكون ذلك فرقا بينه وبين ذكر غيره، كما كان الأمر بدعائه بالرسول والنبي فرقا بينه وبين خطاب غيره، فلو كان عند ذكره لا تجب الصلاة عليه كان ذكره كذكر غيره في ذلك، هذا على أحد التفسيرين في الآية.
وأما على التفسير الآخر وهو أن المعنى: لا تجعلوا دعاءه إياكم كدعاء بعضكم بعضا فتؤخروا الإجابة بالاعتذار والعلل التي يؤخر بها بعضكم إجابة بعض ولكن بادروا إليه إذا دعاكم بسرعة الإجابة ومعاجلة الطاعة حتى لم يجعل اشتغالهم بالصلاة عذرا لهم في التخلف عن إجابته والمبادرة إلى طاعته فإذا لم تكن الصلاة التي فيها شغل عذرا يستباح بها تأخير إجابته فكيف ما دونها من الأسباب والأعذار؟ فعلى هذا يكون المصدر مضافًا إلى الفاعل، وعلى القول الأول يكون مضافا إلى المفعول.
وقد يقال - وهو أحسن من القولين - إن المصدر هنا لم يضف إضافته إلى فاعل ولا مفعول، وإنما أضيف إضافة الأسماء المحضة،
[ ٨٦ ]
ويكون المعنى: لا تجعلوا الدعاء المتعلق بالرسول المضاف إليه كدعاء بعضكم بعضا، وعلى هذا فيعم الأمرين معا، ويكون النهي عن دعائهم له باسمه كما يدعو بعضهم بعضا، وعن تأخير إجابته ﷺ، وعلى كل تقدير فكما أمر الله سبحانه أن يميز في خطابه ودعائهم إياه قياما للأمة بما يجب عليه من تعظيمه وإجلاله فتمييزه بالصلاة عليه عند ذكر اسمه من تمام هذا المقصود.
قالوا: وقد أخبر النبي ﷺ "أن من ذكر عنده فلم يصل عليه خطيء طريق الجنة" (^١) فلولا أن الصلاة عليه واجبة عند ذكره لم يكن تاركها مخطئا لطريق الجنة. قالوا: وأيضا فمن ذكر النبي ﷺ أو ذكر عنده فلم يصل عليه فقد جفاه، ولا يجوز لمسلم جفاؤه ﷺ.
فالدليل على المقدمة الأولى: ما روي عن قتادة، قال: قال رسول الله ﷺ: "من الجفاء أن أذكر عند الرجل فلا يصلي علي" (^٢).
ولو تركنا وهذا المرسل وحده لم نحتج به، ولكن له أصول وشواهد
_________________
(١) أخرجه ابن ماجة في السنن، أبواب إقامة الصلاة، باب الصلاة على النبي ﷺ (١/ ١٦٤) ح ٨٩٥ وقال الألباني حسن صحيح (صحيح ابن ماجة ١/ ١٥٠). وأخرجه إسماعيل بن إسحاق في فضل الصلاة على النبي ﷺ (ص ١٧ - ١٨) ح ٤١ - ٤٢ - ٤٣ - ٤٤. وقال الألباني في تعليقه عليه: "إسناده مرسل صحيح، والحديث له طرق وإن كانت لا تخلو من ضعف فبعضها يقوي بعضا فالحديث وتقي بها إلى درجة الحسن على أقل الدرجات" انتهي كلامه. وأخرجه البيهقي في شعب الإيمان (١/ ٤١٨) مرسلا عن محمد بن الحنفية. وأخرجه الطبراني في الكبير (٣/ ١٣٨) رقم ٢٨٨٧ موصولا عن الحسين بن علي من طريق بشر بن محمد الكندي وهو ضعيف. انظر: مجمع الزوئد (١٠/ ١٦٤). وأخرجه البيهقي من حديث أبي هريرة ﵁ في الشعب (١/ ٤١٩).
(٢) أورده ابن القيم وعزاه لسعيد بن الأعرابي "جلاء الأفهام" (ص ٣٠١) وأورده السخاوي في القول البديع (ص ١٥٢) وقال: أخرجه النميري من وجهين من طريق عبد الرزاق وهو في جامعه، ورواته ثقات.
[ ٨٧ ]
قد تقدمت من تسمية تارك الصلاة عليه عند ذكره بخيلًا وشحيحًا، والدعاء عليه بالرغم، وهذا من موجبات جفائه.
والدليل على المقدمة الثانية: أن جفاءه مناف لكمال حبه، وتقديم محبته على النفس والأهل والمال، وأنه أولى بالمؤمن من نفسه فإن العبد لا يؤمن حتى يكون رسول الله ﷺ أحب إليه من نفسه ومن ولده ووالده والناس أجمعين، كما ثبت عن عمر رضي الله تعالى عنه أنه قال: يا رسول الله، والله لأنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي، قال: "لا يا عمر حتى أكون أحب إليك من نفسك" قال: فوالله لأنت الآن أحب إلي من نفسي، قال: "الآن يا عمر" (^١).
وثبت عنه في الصحيح أنه قال: "لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين" (^٢) فذكر هذا الحديث أنواع المحبة الثلاثة، فإن المحبة: إما محبة إجلال وتعظيم، كمحبة الوالد، وإما محبة تحنن وود ولطف كمحبة الولد، وإما محبة لأجل الإحسان وصفات الكمال، كمحبة الناس بعضهم بعضًا، ولا يؤمن العبد حتى يكون حب الرسول ﷺ عنده أشد من هذه المحاب كلها.
ومعلوم أن جفاءه ﷺ ينافي ذلك
قالوا: فلما كانت محبته فرضا، وكانت توابعها من الإجلال والتعظيم والتوقير والطاعة والتقديم على النفس، وإيثاره بنفسه بحيث يقي نفسه فرضًا، كانت الصلاة عليه ﷺ إذا ذكر من لوازم هذه الأحبيَّة وتمامها.
قالوا: وإذا ثبت بهذه الوجوه وغيرها وجوب الصلاة عليه ﷺ على من ذكر عنده، فوجوبها على الذاكر نفسه أولى، ونظير هذا أن سامع
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب الأيمان والنذور، باب كيف كانت يمين النبي ﷺ برقم (٦٦٣٢).
(٢) أخرجه البخاري في كتاب الإيمان، باب حب الرسول ﷺ من الإيمان برقم (١٥)، ومسلم في كتاب الإيمان، باب وجوب محبة الرسول ﷺ … برقم (٤٤).
[ ٨٨ ]
السجدة إذا أمر بالسجود إما وجوبًا أو استحبابًا، فوجوبها على التالي أولى، والله أعلم.
قال نفاة الوجوب: الدليل على قولنا من وجوه:
• أحدها: أن من المعلوم الذي لا ريب فيه أن السلف الصالح الذين هم القدوة لم يكن أحدهم كلما ذكر النبي ﷺ يقرن الصلاة عليه باسمه، وهذا في خطابهم للنبي ﷺ أكثر من أن يذكر فإنهم كانوا يقولون يا رسول الله، مقتصرين على ذلك وربما كان يقول أحدهم "صلى الله عليك" وهذا في الأحاديث ظاهر كثير، فلو كانت الصلاة عليه واجبة عند ذكره لأنكر عليهم تركها.
• الثاني: أن الصلاة عليه لو كانت واجبة كلما ذكر، لكان هذا من أظهر الواجبات، ولبيَّنه النبي ﷺ لأمته بيانًا يقطع العذر وتقوم به الحجة.
• الثالث: أنه لا يُعرف عن أحد من الصحابة ولا التابعين ولا تابعيهم هذا القول، ولا يعرف أحد منهم قال به، وأكثر الفقهاء - بل قد حكى الإجماع - على أن الصلاة عليه ﷺ ليست من فروض الصلاة، وقد نسب القول بوجوبها إلى الشذوذ ومخالفة الإجماع السابق، فكيف تحب خارج الصلاة.
• الرابع: أنه لو وجبت الصلاة عليه عند ذكره دائمًا، لوجب على المؤذن أن يقول: أشهد أن محمدا رسول الله ﷺ، وهذا لا يشرع له في الأذان على أن يجب عليه.
• الخامس: أنه كان يجب على من سمع النداء وأجابه أن يصلي عليه ﷺ، اقتصاره على قوله "أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله" فإن هذا مثل ما قال المؤذن.
• السادس: أن التشهد الأول ينتهي عند قوله: "وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله" اتفاقًا، واختلف هل يشرع أن يصلي على النبي ﷺ وعلى آله فيه، على ثلاثة أقوال:
أحدها: لا يشرع ذلك إلا في الأخير.
[ ٨٩ ]
والثاني: يشرع.
والثالث: تشرع الصلاة عليه خاصة دون آله، ولم يقل أحد بوجوبها في الأول عند ذكر النبي ﷺ.
• السابع: أن المسلم إذا دخل في الإسلام بتلفظه بالشهادتين لم يحتج أن يقول أشهد أن محمدا رسول الله ﷺ.
• الثامن: أن الخطب في الجمع والأعياد وغيرهما لا يحتاج أن يصلي على النبي ﷺ في نفس الشهد، ولو كانت الصلاة واجبة عليه عند ذكره لوجب عليه أن يقرنها بالشهادة، ولا يقال تكفي الصلاة عليه في الخطبة فإن تلك الصلاة لا تنعطف على ذكر اسمه عند الشهادة، ولا سيما مع طول الفصل، والموجبون يقولون: تجب الصلاة عليه كلما ذكر ومعلوم أن ذكره ثانيا غير ذكره أولا.
• التاسع: أنه لو وجبت الصلاة عليه كلما ذكر لوجب على القارئ كلما مر ذكر اسمه أن يصلي عليه، ويقطع لذلك قراءته ليؤدي هذا الواجب، وسواء كان في الصلاة أو خارجها، فإن الصلاة عليه ﷺ لا تبطل الصلاة، وهي واجب قد تعين فلزم أداؤه، ومعلوم أن ذلك لو كان واجبا لكان الصحابة والتابعون أقوم به وأسرع إلى أدائه وترك إهماله.
• العاشر: أنه لو وجبت الصلاة عليه كلما ذكر لوجب الثناء على الله ﷿ كلما ذكر اسمه، فكان يجب على من ذكر اسم الله أن يقرنه بقوله: "﷾" أو "﷿" أو "﵎" أو "جلت عظمته" أو "تعالى جده" ونحو ذلك، بل كان ذلك أولى وأحرى فإن تعظيم الرسول وإجلاله ومحبته وطاعته تابع لتعظيم مرسله سبحانه وإجلاله ومحبته وطاعته، فمحال أن تثبت المحبة والطاعة والتعظيم والإجلال للرسول ﷺ دون مرسله، بل إنما يثبت ذلك له تبعًا لمحبة الله وتعظيمه وإجلاله،
[ ٩٠ ]
ولهذا كانت طاعة الرسول طاعة لله، فمن يطع الرسول فقد أطاع الله، ومبايعته مبايعة لله ﴿إنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أيْدِيهِمْ﴾ [الفتح: ١٠] ومحبته محبة لله قال تعالى: ﴿قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١]، وتعظيمه تعظيم لله، ونصرته نصرة لله، فإنه رسوله وعبده الداعي إليه وإلى طاعته ومحبته وإجلاله، وتعظيمه وعبادته وحده لا شريك له، فكيف يقال تجب الصلاة عليه كلما ذكر اسمه، وهي ثناء وتعظيم كما تقدم، ولا يجب الثناء والتعظيم للخالق ﷾ كلما ذكر اسمه؟ هذا محال من القول.
• الحادي عشر: لو جلس إنسان ليس له هجِّيرى (^١) إلا قوله: محمد رسول الله، أو اللهم صل على محمد، وبشر كثير يسمعونه، فإن قلتم تجب على كل أولئك السامعين أن يكون هجيراهم الصلاة عليه ﷺ، ولو طال المجلس ما طال، كان ذلك حرجا ومشقة وتركا لقراءة قارئهم، ودراسة دارسهم، وكلام صاحب الحاجة منهم، ومذاكرته في العلم، وتعليمه القرآن وغيره، وإن قلتم لا تحب عليهم الصلاة عليه في هذه الحال، نقضتم مذهبكم، وإن قلتم: تجب عليه مرة أو أكثر، كان تحكما بلا دليل مع أنه مبطل لقولكم.
• الثاني عشر: أن الشهادة له بالرسالة أفرض وأوجب من الصلاة عليه بلا ريب، ومعلوم أنه لا يدخل في الإسلام إلا بها، فإذا كانت لا تجب كلما ذكر اسمه، فكيف تحب الصلاة عليه كلما ذكر اسمه، وليس من الواجبات بعد كلمة الإخلاص أفرض من الشهادة له بالرسالة، فمتى أقر له بوجوبها عند ذكر اسمه تذكر العبد الإيمان وموجبات هذه الشهادة فكان يجب على كل من ذكر اسمه أن يقول محمد رسول الله، ووجوب ذلك أظهر بكثير من وجوب الصلاة عليه كلما ذكر اسمه.
_________________
(١) هجِّيرى: الدأب والشأن.
[ ٩١ ]
ولكل فرقة من هاتين الفرقتين أجوبة عن حجج الفرقة المنازعة لها، بعضها ضعيف جدا وبعضها محتمل، وبعضها قوي، ويظهر ذلك لمن تأمل حجج الفريقين، والله ﷾ أعلم بالصواب" (^١).