لا خلاف في مشروعيتها فيها، واختلف في توقف صحة الصلاة عليها. فقال الشافعي، وأحمد في المشهور من مذهبهما: إنها واجبة في الصلاة، لا تصح إلا بها، ورواه البيهقي عن عبادة بن الصامت وغيره من الصحابة. وقال مالك وأبو حنيفة: تستحب وليست بواجبة، وهو وجه لأصحاب الشافعي. والدليل على مشروعيتها في صلاة الجنازة، ما روى الشافعي بسنده عن الزهري، قال أخبرني أمامة بن سهل، أنه أخبره رجل من أصحاب النبي ﷺ أن السنة في الصلاة على الجنازة أن يكبر الإمام ثم يقرأ بفاتحة الكتاب بعد التكبيرة الأولى سرا في نفسه ثم يصلي
_________________
(١) عبد الله بن الحارث الأنصاري أبو الوليد البصري، ثقة من رجال الشيخين. تهذيب التهذيب (٥/ ١٨١ - ١٨٢).
(٢) معاذ بن الحارث الأنصاري النجاري أبو حليمة ويقال أبو الحارث المدني القاري، قال ابن عبد البر شهد الخندق، ويقال لم يدرك من حياة رسول الله ﷺ إلا ست سنين، وهو الذي أقامه عمر فيمن أقام في رمضان ليصلي التراويح، يقال إنه قتل يوم الحرة. تهذيب التهذيب (١٠/ ١٨٨ - ١٨٩).
(٣) فضل الصلاة على النبي ﷺ (ص ٤٥) رقم ١٠٧، قال الألباني: "إسناده موقوف صحيح"، وأبو حليمة معاذ هو ابن الحارث الأنصاري القاري قال ابن أبي حاتم: (٤/ ١/ ٢٤٦) "وهو الذي أقامه عمر يصلي بهم في شهر رمضان صلاة التراويح وعبد الله بن الحارث هو أبو الوليد البصري ثقة من رجال الشيخين، ورواه ابن نصر في "قيام الليل" (ص ١٣٦) بلفظ "كان يقوم في القنوت في رمضان يدعو ويصلي على النبي ﷺ ويستسقي الغيث".
(٤) جلاء الأفهام (ص ٢٧٩ - ٢٨١).
[ ٦٩ ]
على النبي ﷺ، ويُخلص الدعاء للجنازة في التكبيرات لا يقرأ في شيء منهن ثم يسلم سرا في نفسه (^١). وروى إسماعيل بن إسحاق في كتاب "الصلاة على النبي ﷺ " بسنده عن الزهري قال سمعت أبا أمامة بن سهل بن حنيف (^٢) يحدث سعيد بن المسيب (^٣) قال: إن السُّنَّة في صلاة الجنازة أن يقرأ بفاتحة الكتاب، ويصلي على النبي ﷺ ثم يخلص الدعاء للميت حتى يفرغ، ولا يقرأ إلا مرة واحدة، ثم يسلم في نفسه (^٤).
_________________
(١) الأم (١/ ٢٣٩ - ٢٤٠) والبيهقي في السنن الكبرى (٤/ ٣٩).
(٢) أبو أمامة بن سهل بن حنيف الأنصاري: ولد في حياة النبي علمًا وسمي باسم جده لأمه أسعد بن زرارة وكني بكنيته، وكان من أكابر الأنصار وعلمائهم، توفي سنة مائة للهجرة. تهذيب التهذيب (١/ ٢٦٣ - ٢٦٤).
(٣) سعيد بن المسيب بن حزن المخزومي القرشي: وسيد التابعين وأحد فقهاء المدينة السبعة، وكان زاهدا ورعا يعيش من كسب يده توفي سنة ٩٤ هـ. تهذيب التهذيب (٤/ ٨٤ - ٨٨).
(٤) فضل الصلاة على النبي ﷺ (ص ٣٩) رقم ٩٤. وقال الألباني في تعليقه على هذا الكتاب: إسناده صحيح، وأبو أمامة هذا صحابي صغير كما قال ابن القيم، وقد رواه عن جماعة من الصحابة، فقال يونس عن ابن شهاب، قال أخبرني أبو أمامة بن سهل بن حنيف - وكان من كبراء الأنصار وعلمائهم، وأبناء الذين شهدوا بدرا مع رسول الله ﷺ أخبره رجال من أصحاب رسول الله في الصلاة على الجنازة أن يكبر الإمام ثم يصلي على النبي ﷺ الحديث نحوه وزاد: قال الزهري: حدثنا بذلك أبو أمامة وابن المسيب يسمع فلم ينكر ذلك عليه. قال ابن شهاب: فذكرت الذي أخبرني أبو أمامة من السنة في الصلاة على الميت لمحمد بن سويد فقال وأنا سمعت الضحاك بن قيمة يحدث عن حبيب بن مسلمة في صلاة صلاها على الميت مثل الذي حدثنا أبو أمامة. أخرجه الحاكم (١/ ٣٦٠) وعنه البيهقي (٤/ ٣٩، ٤٠) وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي، وهو كما قالا، ورواه النسائي (١/ ٢٨١) من طريق الليث عن ابن شهاب به مختصرًا. انتهى.
[ ٧٠ ]
وأبو أمامة هذا صحابي صغير، وقد رواه عن صحابي آخر كما ذكره الشافعي.
وقال صاحب "المغني" (^١) يروى عن ابن عباس أنه صلى على جنازة بمكة فكبر، ثم قرأ وجهر وصلى على النبي ﷺ، ثم دعا لصاحبه فأحسن ثم انصرف، وقال: هكذا ينبغي أن تكون الصلاة على الجنازة.
وفي الموطأ برواية يحيى بن يحيى الليثي (^٢) حدثنا مالك بن أنس عن سعيد بن أبي سعيد المقبري (^٣) عن أبيه (^٤) أنه سأل أبا هريرة كيف نصلي على الجنازة؟ فقال أبو هريرة ﵁: أنا لعمر الله أخبرك، أتبعها من أهلها، فإذا وضعت كبرت وحمدت الله تعالى، وصليت على النبي ﷺ ثم أقول: "اللهم إنه عبدك وابن عبدك، وابن أمتك، كان يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبدك ورسولك، وأنت أعلم به، اللهم إن كان محسنا فزد في إحسانه، وإن كان مسيئا فتجاوز عن سيئاته، اللهم لا تحرمنا أجره ولا تفتنا بعده" (^٥).
_________________
(١) (٢/ ٤٨٦).
(٢) يحيى بن يحيى بن أبي عيسى كثير بن وسلاس الليثي بالولاء، أبو محمد عالم الأندلس في عصره بربري الأصل، سمع الموطأ من مالك قال عنه الإمام مالك هذا عاقل أهل الأندلس، توفي بقرطبة سنة ٢٣٤ هـ. الأعلام (٨/ ١٧٦).
(٣) سعيد بن كيسان المقبري أبو سعد المدني، ثقة جليل تغير قبل موته بأربع سنين، مات في حدود العشرين ومائة وقيل قبلها وقيل بعدها. تهذيب التهذيب (٤/ ٣٨ - ٤٠).
(٤) كيسان أبو سعيد المقبري: مولى أم شريك، تابعي ثقة كثير الحديث توفي سنة مائة للهجرة. تهذيب التهذيب (٨/ ٤٥٣ - ٤٥٤).
(٥) الموطأ (ص ١٥١ - ١٥٢) ح ٥٣٥، وأخرجه إسماعيل القاضي في كتابه فضل الصلاة على النبي ﷺ (ص ٣٩) ح ٩٣. وقال الألباني المحقق عند تعليقه عليه: إسناده موقوف صحيح على شرط الشيخين. وأخرجه البيهقي في السنن (٤/ ٤٠).
[ ٧١ ]
إذا تقرر هذا، فالمستحب أن يصلَّى عليه ﷺ في الجنازة كما يصلى عليه في التشهد، لأن النبي ﷺ علَّم ذلك أصحابه لما سألوه عن كيفية الصلاة عليه. وفي مسائل "عبد الله بن أحمد" عن أبيه قال: يصلى على النبي ﷺ ويصلى على الملائكة المقربين.
قال القاضي: يقول: "اللهم صل على ملائكتك المقربين وأنبيائك والمرسلين، وأهل طاعتك أجمعين من أهل السموات والأرضين، إنك على كل شيء قدير" (^١).