وقد استدل طائفة من الناس بهذه الأحاديث على مشروعية زيارة قبر النبي ﷺ حيث قالوا إنه إذا كانت زيارة قبور عموم المؤمنين مشروعة فزيارة قبره أولى. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "ومن هنا غلط طائفة من الناس يقولون إذا كانت زيارة قبر آحاد الناس مستحبة فكيف بقبر سيد
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٢٧/ ٣٨٥، ٦٣٨) (بتصرف).
(٢) أخرجه مسلم في كتاب الجنائز، باب استئذان النبي ﷺ ربه ﷿ في زيارة قبر أمه برقم (٩٧٤).
(٣) أخرجه مسلم في كتاب الجنائز، باب ما يقال عند دخول القبور والدعاء لأهلها برقم (٩٧٤).
(٤) أخرجه البخاري في كتاب المغازي، باب غزوة أحد برقم (٤٠٤٢)، ومسلم في كتاب الفضائل، باب إثبات حوض نبينا ﷺ برقم (٢٢٩٦).
[ ١٥١ ]
الأولين والآخرين. وهؤلاء ظنوا أن زيارة قبر الميت مطلقًا هو من باب الإكرام والتعظيم له والرسول أحق بالإكرام والتعظيم من كل أحد.
وظنوا أن ترك الزيارة له فيه تنقيص لكرامته، فغلطوا وخالفوا السنة وإجماع الأئمة سلفها وخلفها.
فقولهم نظير قول من يقول: إذا كانت زيارة القبور يصل الزائر فيها إلى قبر المزور، فإن ذلك أبلغ في الدعاء له فالرسول أولى أن نصل إلى قبره إذا زرناه. وقد ثبت بالتواتر وإجماع الأمة أن الرسول لا يشرع الوصول إلى قبره لا للدعاء له ولا لدعائه، ولا لغير ذلك.
بل غيره من الناس يصلَّى على قبره عند أكثر السلف كما دلت عليه الأحاديث الصحيحة، والصلاة على القبر - كالصلاة على الجنازة - تشرع مع القرب والمشاهدة.
أما للنبي ﷺ فالإجماع لا يصلى على قبره سواء كان للصلاة حد محدود أو كان يصلى على القبر مطلقًا.
ولم يعرف عن أحد من الصحابة الغائبين لما قدم صلَّى على قبره ﷺ.
وزيارة القبور المشروعة هي مشروعة مع الوصول إلى القبر بمشاهدته وهذه الزيارة غير مشروعة في حقه بالنص والإجماع، ولا هي أيضًا ممكنة فقبر النبي ﷺ خص بالمنع شرعًا وحسًّا، فقد دفن في الحجرة ومنع الناس من زيارة قبره من داخل الحجرة كما تزار سائر القبور فيصل الزائر إلى عند القبر، وقبر النبي ليس كذلك، فلا تستحب هذه الزيارة في حقه ولا تمكن وهذا لعلو قدره وشرفه لا لكون أن غيره أفضل منه، فإن هذا لا يقوله أحد من المسلمين فضلًا عن الصحابة والتابعين وعلماء المسلمين بالمدينة وغيرها.
وبهذا يتبين غلط هؤلاء الذين قاسوه على عموم المؤمنين، وهذا من باب القياس الفاسد.
ومن قاس قياس الأولى ولم يعلم ما اختص به كل واحد من
[ ١٥٢ ]
المقيس والمقيس عليه كان قياسه من جنس قياس المشركين الذين يقيسون الميتة على المذكى ويقولون للمسلمين أتأكلون ما قتلتم ولا تأكلون ما قتل الله؟ (^١)
فأنزل الله تعالى: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام].
وكذلك لما أخبر الله أن الأصنام التي تعبد هي وعابدوها ححب جهنم. قاس ابن الزعبري (^٢) - قبل أن يسلم - هو وغيره من المشركيين - عيسى بها وقالوا فيجب أن يعذب عيسى؟ (^٣).
قال تعالى: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ (٥٧) وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ (٥٨)﴾ [الزخرف].
ثم قال: ﴿إنْ هُوَ إلَّا عَبْدٌ أنْعَمْنا عَلَيْهِ وجَعَلْناهُ مَثَلًا لِبَنِي إسْرائيلَ﴾ [الزخرف]. وبين تعالى الفرق بقوله تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (١٠١)﴾ [الأنبياء] بيَّن أن من كان صالحًا نبيًّا أو غير نبي لم يعذب لأجل من أشرك به وعبده وهو بريء من إشراكهم به.
وأما الأصنام فهي حجارة تجعل حصبًا للنار، وقد قيل إنها من الحجارة التي قال الله: ﴿وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم] وقال تعالى: ﴿فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾ [الجن].
والمقصود هنا أن يعرف أن ما مضت به سُنَّته وكان عليه خلفاؤه
_________________
(١) انظر سبب نزول الآية في: تفسير الطبري (٨/ ١٥ - ١٩).
(٢) عبد الله بن الزعبري - بكسر الزاي الموحدة وسكون المهملة بعدها راء مقصورة - ابن قيس القرشي السهمي: كان من أشهر قريش، وكان شديدًا على المسلمين، ثم أسلم في الفتح ومدح النبي ﷺ. الإصابة (٢/ ٣٠٠).
(٣) انظر: سبب النزول في تفسير ابن كثير (٤/ ١٣١).
[ ١٥٣ ]
وأصحابه وأهل العلم والدين بالمدينة تركهم لزيارة قبره أكمل في القيام بحق الله وحق رسوله:
١ - فهو أكمل وأفضل وأحسن مما يفعل مع غيره.
٢ - وهو أيضًا في حق الله وتوحيده أكمل وأتم وأبلغ.
بيان ذلك:
أما كونه أتم في حق الله: فلأن حق الله على عباده أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا كما ثبت ذلك في الصحيحين عن معاذ بن جبل عن النبي ﷺ أنه قال: "أتدري ما حق الله على العباد وما حق العباد على الله؟ حق الله على العباد: أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا … " الحديث (^١).
ويدخل في العبادة جميع خصائص الرب: فلا يُتقى غيره، ولا يخاف غيره ولا يتوكل على غيره، ولا يدعى غيره، ولا يصلى لغيره، ولا يصام لغيره، ولا يتصدق إلا له، ولا يحج إلا إلى بيته. قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ (٥٢)﴾ [النور].
فجعل الطاعة لله والرسول وجعل الخشية والتقوى لله وحده.
وقال تعالى في سورة التوبة: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ (٥٩)﴾.
فجعل الإيتاء لله والرسول كما قال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧].
وجعل التوكل والرغبة إلى الله وحده.
وقال تعالى: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (٧) وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ (٨)﴾ [الشرح].
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب الجهاد، باب اسم الفرس والحمار برقم (٢٨٥٦)؛ وأخرجه مسلم في كتاب الإيمان، باب من لقي الله بالإيمان وهو غير شاك فيه دخل الجنة وحرم على النار برقم (٣٠).
[ ١٥٤ ]
وقال تعالى: ﴿وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (٥١) وَلَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ (٥٢)﴾ [النحل].
وقال تعالى: ﴿فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ﴾ [المائدة: ٤٤].
وقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا (٥٦)﴾ [الإسراء].
وقال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ [الأحقاف: ٤].
وقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ (٢٢)﴾ [سبأ] وهذا باب واسع.
وقال النبي ﷺ لابن عباس: "إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله" (^١).
وفي الصحيحين عن النبي ﷺ في صفة السبعين ألفًا الذين يدخلون الجنة بغير حساب قال: إنهم الذين لا يتطيرون ولا يكتوون، ولا
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد (١/ ٢٩٣، ٣٠٣، ٣٥٧). وأخرجه الترمذي في السنن، كتاب صفة القيامة، باب (٥٩) (٤/ ٦٦٧) (ح ٢٥١٦) وقال: هذا حديث حسن صحيح. وأخرجه الحاكم في المستدرك (٣/ ٥٤١ - ٥٤٢). قال الحافظ ابن رجب في جامع العلوم (ص ١٧٤): "لهذا الحديث عن ابن عباس طرق كثيرة، وأصح الطرق كلها طريق حنش الصنعاني التي خرجها الترمذي، كذا قال ابن منده وغيره، وقد روى أيضا من طرق عن علي بن أبي طالب وأبي سعيد الخدري وسهل بن سعد وعبد الله بن جعفر، وفي أسانيدها كلها ضعف، وبكل حال فطريق حنش التي خرجها الترمذي حسنة جيدة". انتهي باختصار يسير.
[ ١٥٥ ]
يسترقون، وعلى ربهم يتوكلون" (^١)، فهم لا يطلبون من غيرهم أن يرقيهم، والرقية دعاء فكيف بما هو أبلغ من ذلك؟
ومعلوم أنه لو اتخذ قبره عيدًا ومسجدًا ووثنًا، وصار الناس يدعونه ويتضرعون إليه ويسألونه ويتوكلون عليه ويستغيثون به، ويستجيرون به، وربما سجدوا له وطافوا به وصاروا يحجون إليه، وهذه كلها من حقوق الله وحده لا يشركه فيها مخلوق.
فكان من حكمة الله دفنه في حجرته ومنع الناس من مشاهدة قبره، والعكوف عليه، والزيارة له، ونحو ذلك لتحقيق توحيد الله وعبادته وحده لا شريك له لإخلاص الدين لله.
وأما قبور أهل البقيع ونحوهم من المؤمنين فلا يجعل ذلك عندها وإذا قدر أن ذلك فعل عندها منع من يفعل ذلك وهدم ما يتخذ عليها من المساجد، وإن لم تزل الفتنة إلا بتعفية قبره وتعميته فعل ذلك كما فعله الصحابة بأمر عمر بن الخطاب في قبر دانيال (^٢).
وأما كون ذلك أعظم لقدره وأعلى لدرجته: فلأن المقصود المشروع بزيارة قبور المؤمنين كأهل البقيع وشهداء أُحد هو الدعاء لهم كما كان هو يفعل ذلك إذا زارهم وكما سنه لأمته.
فلو سنَّ للأمة أن يزوروا قبره للصلاة عليه والسلام عليه والدعاء له، كما كان بعض أهل المدينة يفعل ذلك أحيانا وبين مالك أنه بدعة لم يبلغه عن صدر هذه الأمة ولا عن أهل العلم بالمدينة، وأنها مكروهة فإنه
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب الطب، باب من لم يرق برقم (٥٧٥٢) واللفظ له؛ وأخرجه مسلم في كتاب الإيمان، باب الدليل على دخول طوائف من المسلمين الجنة بغير حساب ولا عذاب برقم (٢١٨).
(٢) انظر: البداية لابن كثير (٢/ ٤٤ - ٥٢).
[ ١٥٦ ]
لا يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها لكن بعض الناس يزوره ثم لتعظيمه في القلوب وعلم الخلق بأنه أفضل الرسل وأعظمهم جاهًا وأنه أوجه الشفعاء إلى ربه، يدعو النفس إلى أن تطلب منه حاجاتها وأعراضها وتعرض عن حقه الذي هو له من الصلاة والسلام عليه والدعاء له.
فإن الناس مع ربهم كذلك إلا من أنعم الله عليه بحقيقة الإيمان، إنما يعظمون الله عند ضرورتهم إليه كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ﴾ [يونس: ١٢].
وقال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٦٧].
وقال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ﴾ [الزمر: ٨] ونظائر هذا في القرآن متعددة.
فإذا كانوا إلا ما شاء الله، إنما يعظمون ربهم ويوحدونه ويذكرونه عند ضرورتهم لأغراضهم ولا يعرفون حقه إذا خلصهم فلا يحبونه ويعبدونه ولا يشكرونه ولا يقومون بطاعته فكيف يكونون مع المخلوق؟
فهم يطلبون من الأنبياء والصالحين أغراضهم وذلك مقدم عندهم على حقوق الأنبياء والصالحين فإذا أيقنوا أن في زيارة قبر نبي أو صالح تحصيل أغراضهم بسؤاله ودعائه وجاهه وشفاعته أعرضوا عن حقه واشتغلوا بأغراضهم كما هو الموجود في عامة الذين يحجون إلى القبور المعظمة ويفصدونها لطلب الحوائج.
فلو أذن الرسول لهم في زيارة قبره ومكَّنهم من ذلك لأعرضوا عن:
١ - حق الله الذي يستحقه من عبادته.
٢ - وعن حق الرسول الذي يستحقه من الصلاة والسلام عليه
[ ١٥٧ ]
والدعاء له، بل ومن جعله واسطة بينهم وبين الله في تبليغ أمره ونهيه وخبره.
فكانوا يهضمون حق الله وحق الرسول كما فعلت النصارى فإنهم بغلوهم في المسيح تركوا حق الله من عبادته وحده وتركوا حق المسيح، فهم لا يدعون له بل هو عندهم رب يدعى ولا يقومون بحق رسالته فينظرون ما أمر به وما أخبر به بل اشتغلوا بالشرك به وبغيره وطلب حوائجهم ممن يستضفعون به من الملائكة والأنبياء والصالحين عما يجب من حقوقهم.
وأيضا فلو جعلت الصلاة والسلام عليه والدعاء له عند قبره أفضل منها في غير تلك البقعة كما قد يكون الدعاء للميت عند قبره أفضل، لكانوا يخصون تلك البقعة بزيادة الدعاء له وإذا غابوا عنها تنقص صلاتهم وسلامهم ودعاؤهم له، فإن الإنسان لا يجتهد في الدعاء في المكان المفضول كما يجتهد في المكان الفاضل، وهم قد أمروا أن يقوموا بحق الرسول ﷺ في كل مكان، وأن لا يكون البعيد عن قبره أنقص إيمانا وقياما بحقه من المجاور لقبره، وقال لهم ﷺ "لا تتخذوا قبري عيدا وصلوا علي حيث كنتم فإن صلاتكم تبلغني" (^١). وقد شرع لهم أن يصلوا عليه ويسألوا له الوسيلة إذا سمعوا المؤذن حيث كانوا، وأن يسلموا عليه في كل صلاة، ويصلوا عليه في الصلاة، وأن يسلموا عليه إذا دخلوا المسجد وإذا خرجوا منه.
فهذا الذي أمروا به عام في كل مكان، وهو يوجب من القيام بحقه ورفع درجته وإعلاء منزلته ما لا يحصل لو جعل ذلك عند قبره أفضل، ولا إذا سوي بين قبره وقبر غيره.
بل إنما يحصل كمال حقه مع حق ربه، بفعل ما شرعه وسنه لأمته
_________________
(١) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف برقم (٧٦٢٦)، وإسماعيل القاضي في فضل الصلاة على النبي ﷺ برقم (٣٠)، وصححه الألباني في تحذير الساجد (ص ١٤١).
[ ١٥٨ ]
من واجب ومستحب: وهو أن يقوموا بحق الله، ثم بحق رسوله حيث كانوا من المحبة والمولاة والطاعة وغير ذلك من الصلاة والسلام والدعاء وغير ذلك. ولا يقصدون تخصيص القبر لما يفضي إليه ذلك من ترك حق الله وحق رسوله.
فهذا وغيره مما يبين أن ما نهي عنه الناس ومنعوا منه، وكان السلف لا يفعلونه من زيارة قبره، وإن كانا زيارة قبر غيره مستحبة، فهو أعظم لقدره وأرفع لدرجته وأعلى في منزلته، وأن ذلك أقوم بحق الله وأتم وأكمل في عبادته وحده لا شريك له وإخلاص الدين له، ففي ذلك تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله.
وإن أهل البدع الذين فعلوا ما لم يشرعه الله بل ما نهي عنه وخالفوا الصحابة والتابعين لهم بإحسان فاستحبوا ما كان أولئك يكرهونه ويمنعون منه، هم مضاهؤون للنصارى، وإنهم نقصوا من تحقيق الإيمان بالله وبرسوله، والقيام بحق الله وحق رسوله بقدر ما دخلوا فيه من البدعة التي ضاهوا بها النصارى فهذا هذا، والله أعلم.
وأيضا فإنه إذا أطيع أمره وأتبعت سنته كان له من الأجر بقدر أجر من أطاعه واتبع سنته لقوله ﷺ: "من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من اتبعه من غير أن ينقص من أجورهم شيئا" (^١).
وأما البدع - التي لم يشرعها بل نهي عنها، وإن كانا متضمنة للغلو فيه والشرك به والإطراء له كما فعلت النصارى، فإنه لا يحصل بها أجر لمن عمل بها فلا يكون للرسول فيها منفعة، بل صاحبها إن عذر كان ضالا لا أجر له، وإن قامت عليه الحجة استحق العذاب.
وقد قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح: "لا تطروني كما أطرت
_________________
(١) أخرجه مسلم في كتاب العلم، باب من سن سنة حسنة أو سيئة … برقم (٢٦٧٤).
[ ١٥٩ ]
النصارى عيسى ابن مريم إنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله" (^١).
فإن قال هؤلاء الذين قاسوا زيارة قبره على زيارة سائر القبور: إن الناس منعوا من الوصول إليه تعظيما لقدره، وجعل سلامهم وخطابهم له من الحجرة لأن ذلك أبلغ في الأدب والتعظيم.
قيل: فهذا يوجب الفرق فإن الزيارة المشروعة إن كان مقصودها الدعاء له فكون ذلك قريبا من الحجرة أفضل منه في سائر المساجد والبقاع، فالذي يدعو له من داخل الحجرة أقرب، وإن كان القرب مستحبا فكلما كان أقرب كان أفضل كسائر القبور.
وإن كان مقصودها؛ أي: الزيارة، ما يقوله أهل الشرك والضلال من أن دعاؤه من القرب أولى، فينبغي أن يكون من داخل الحجرة أولى.
ولما ثبت بالنص والإجماع أن هذا القرب من القبر ممنوع منه، وهو أيضا غير مقدور عليه، علم أن القرب من ذلك ليس بمستحب. بخلاف زيارة قبر غيره والصلاة على قبره - أي قبر ذلك الغير - فإن القرب منه مستحب إذا لم يفض إلى مفسدة من شرك أو بدعة أو نياحة فإن أفضى إلى ذلك منع من ذلك. ومما يوضح هذا: أن الشخص الذي يقصد أتباعه زيارة قبره يجعلون قبره بحيث يمكن زيارته فيكون له باب يدخل منه إلى القبر ويجعل عند القبر مكان للزائر إذا دخل بحيث يتمكن من القعود فيه بل يوسع المكان ليسع الزائرين.
ومن اتخذه مسجدًا جعل عنده صورة محراب أو قريبا منه، وإذا كان الباب مغلقا جعل له شباكا على الطريق ليراه الناس فيه فيدعونه.
وقبر النبي ﷺ بخلاف هذا كله لم يجعل للزوار طريق إليه بوجه من
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب أحاديث الأنبياء، باب قول الله: ﴿واذْكُرْ فِي الكِتابِ مَرْيَمَ إذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أهْلِها﴾ برقم ٣٤٤٥.
[ ١٦٠ ]
الوجوه ولا قبر في مكان كبير يسع الزوار، ولا جعل للمكان شباك يرى منه القبر بل منع الناس من الوصول إليه والمشاهدة له.
ومن أعظم ما منَّ الله به على رسوله ﷺ وعلى أمته واستجاب فيه دعاءه أن دفن في بيته بجانب مسجده.
فلا يقدر أحد أن يصل إلا إلى المسجد والعبادة المشروعة في المسجد معروفة بخلاف ما لو كان القبر منفردا عن المسجد.
والمسافر إليه إنما يسافر إلى المسجد وإذا سمِّي هذا زيارة لقبره فهو اسم لا مسمى له إنما هو إتيان إلى مسجده، ولهذا لم يطلق السلف هذا اللفظ" (^١)
فالزيارة المعهودة من القبور ممتنعة فيه قبره فليست من العمل المقدور ولا المأمور، فامتنع أن يكون أحد من العلماء يقصد بزيارة قبره هذه الزيارة، وإنما أرادوا السفر إلى مسجده والصلاة والسلام عليه والثناء عليه هناك لكن سموا هذا زيارة لقبره كما اعتادوه، ولو سلكوا مسلك التحقيق الذي سلكه الصحابة ومن اتبعهم لم يسموا هذا زيارة لقبره وإنما هو زيارة لمسجده وصلاة وسلام عليه ودعاء له وثناء عليه في مسجده سواء كان هناك القبر أو لم يكن (^٢).
فمجرد زيارة قبره كالزيارة المعروفة للقبور غير مشروعة ولا ممكنة ولو كان في زيارة قبره عبادة زائدة للأمة لفتح باب الحجرة ومكنوا من فعل تلك العبادة عند قبره، وهم لم يمكنوا إلا من الدخول إلى مسجده (^٣)
والله سبحانه قد فرَّق بين قبر رسوله ﷺ وقبر غيره فإنهم دفنوه بالحجرة ولم يبرزوا قبره كما كانوا يزورون قبورهم خوفا أن يتخذ مسجدا.
_________________
(١) الرد على الأخنائي (ص ١٥١ - ١٦٠) (بتصرف).
(٢) الصارم المنكي (ص ٨٥، ٨٦).
(٣) الصارم المنكي (ص ١١٢).
[ ١٦١ ]
ثم إنهم منعوا الناس من زيارته كما يزورون القبور، فلم يكونوا يمكنون الناس من الدخول لزيارته. ثم إنهم سدوا باب الحجرة وبنوا عليها حائطا آخر فلم يبق أحد متمكنا من زيارته كما تزار القبور.
ولهذا لم يعرف عن أحد من الصحابة أنه تكلم بهذا الاسم في حقه فقال تستحب زيارة قبره أو لا تستحب أو نحو ذلك ولا علق بهذا الاسم حكما شرعيا وقد كره من كره من العلماء التكلم به، وذلك اسم لا مسمى له ولفظ لا حقيقة له وإنما تكلم به من تكلم من المتأخرين ومع هذا فلم يريدوا ما هو معروف من زيارة القبور" (^١).
فتبين أنه ليس في الشريعة عمل يسمى "زيارة لقبره" وأن هذا الاسم لا مسمى له، والذين أطلقوا هذا الاسم إن أرادوا به ما يشرع فالمعنى صحيح لكن عبروا عنه بلفظ لا يدل عليه.
وإن أرادوا ما لا يشرع فذاك المعنى خطأ مفهوم ومع هذا فليس هو زيارة.
فخلاصة ما يمكن حصره من مسائل وأقوال في مسألة السلام على النبي ﷺ ما يلى:
١ - أن السلام عليه ﷺ عند دخول مسجده وسائر المساجد في سائر البقاع مشروع بالكتاب والسنة والإجماع وقد تقدم ذكر الأدلة في ذلك.
٢ - أما السلام عليه عند قبره من داخل الحجرة فهذا كان مشروعا لما كان ممكنا بدخول من يدخل على عائشة.
٣ - أما تخصيص هذا السلام أو الصلاة بالمكان القريب من الحجرة فهذا محل النزاع.
_________________
(١) الرد على الأخنائي (ص ٢٥ - ٢٦).
[ ١٦٢ ]
وللعلماء في ذلك ثلاثة أقوال:
القول الأول: منهم من ذكر استحباب السلام أو الصلاة والسلام عليه إذا دخل المسجد، ثم بعد أن يصلي في المسجد استحب أيضا أن يأتي إلى الحجرة ويصلي ويسلم كما ذكر ذلك طائفة من أصحاب مالك والشافعي وأحمد.
القول الثاني: ومنهم من لم يذكر إلا النوع الثاني فقط؛ أي: أنه يأتي إلى الحجرة ويصلي ويسلم.
القول الثالث: ومنهم من لم يذكروا إلا النوع الأول فقط أي السلام أو الصلاة والسلام عليه عند دخول المسجد، وفي التشهد في الصلاة وهذا ما ذكره كثير من السلف (^١).
فهذا النوع الأول - أي السلام عند دخول المسجد - هو المشروع لأهل البلد وللغرباء في هذا المسجد وغير هذا المسجد.
وأما النوع الثاني - أي: السلام عليه عند الحجرة - فهو الذي فرق من استحبه بين أهل البلد والغرباء سواء فعله مع الأول أو مجردا عنه فاستحبوه للغرباء دون أهل البلد، محتجين على ذلك بفعل ابن عمر ﵄.
وفي هذا الاستحباب نظر "لأن الأمر إذا فعله من الصحابة الواحد والاثنان والثلاثة وأكثر، دون غيرهم كان غايته أن يثبت به التسويغ بحيث يكون هذا مانعا من دعوى الإجماع على خلافه، بل يكون كسائر المسائل التي يساغ فيها الاجتهاد، أما أن يجعل من سنة الرسول وشريعته وحكمه ما لم تدل عليه سنته لكون بعض السلف فعل ذلك فهذا لا يجوز (^٢).
فالأولى في هذه المسألة أن يقال: إن فعل ابن عمر إنما يدل على
_________________
(١) الرد على الأخنائي (ص ١٤٢).
(٢) الرد على الأخنائي (ص ١٧٧ - ١٧٨).
[ ١٦٣ ]
التسويغ بحيث يكون فعل من فعل ذلك اقتداء بفعل بعض الصحابة لم يبتدع شيئا من عنده.
أما أن يقال إن فعل هذا عبادة وطاعة يشرع فعلها احتجاجا بفعل بعض الصحابة - ولا سيما إذا عرف أن جمهور الصحابة لم يكونوا يفعلون ذلك - فلا يكفي الإحتجاج بفعل بعض الصحابة على استحبابه بل الأمر يحتاج إلى دليل شرعي.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وأما أن يقال إن الرسول ندب إلى ذلك ورغب فيه وجعله عبادة وطاعة يشرع فعلها، فهذا يحتاج إلى دليل شرعي ولا يكفي في ذلك فعل بعض السلف.
ولا يجوز أن يقال: إن الله ورسوله يحب ذلك أو يكرهه، وإنه سنَّ ذلك وشرعه، أو نهي عن ذلك وكرهه، ونحو ذلك إلا بدليل يدل على ذلك لا سيما إذا عرف أن جمهور أصحابه لم يكونوا يفعلون ذلك.
فيقال: لو كان ندبهم إلى ذلك وأحبه لهم لفعلوه فإنهم كانوا أحرص الناس على الخير، ونظائر هذا متعددة والله أعلم" (^١).
وفي الوقت ذاته لا يقال: انعقد إجماعهم (^٢) على تركه فيبدع من فعله مع أنه قد ثبت فعله من بعض الصحابة كما ثبت من فعل ابن عمر ﵄.
هذا فيما يتعلق بالسلام عليه عند حجرته للقادم من السفر.
أما الشخص المقيم فلم يستحب أحد من علماء السلف أن يأتي أحد إلى الحجرة للسلام أو الصلاة، بل هو منهي عنه لأن في تخصيص
_________________
(١) الرد على الأخنائي (ص ١٧٩).
(٢) قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وإذا فعله من الصحابة الواحد والاثنان والثلاثة وأكثر دون غيرهم كان غايته أن يثبت به التسويغ بحيث يكون وإنما من دعوى الإجماع".
[ ١٦٤ ]
الحجرة للصلاة والسلام بهذه الصورة جعلًا لها عيدًا، وكذلك فإن السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان لم يكونوا يفعلون ذلك. وقد تقدم نقل كلام الإمام مالك في هذه المسألة بعينها وكيف أنه كره ذلك لأن السلف لم يكونوا يفعلون ذلك وقال ﵀: "لن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح أولها" (^١).
فوقوف أهل المدينة بالقبر من البدع التي لم يفعلها الصحابة، وهذه الزيارة منهي عنها لقوله ﷺ: "لا تتخذوا قبري عيدا وصلُّوا علي حيثما كنتم فإن صلاتكم تبلغني" (^٢) وروي مثل ذلك في السلام عليه، فعلم أنه يكره تخصيص تلك البقعة بالصلاة والسلام بل يصلى ويسلم في جميع المواضع وذلك واصل إليه فمثل هذه الزيارة بدعة منهي عنها.
والذين أجازوا السلام عليه عند الحجرة للغرباء اختلفوا كيف يسلم عليه هل تستقبل الحجرة أم القبلة؟ على قولين:
القول الأول: فالأكثرون يقولون يستقبل الحجرة؛ كمالك والشافعي وأحمد.
القول الثاني: وأبو حنيفة يقول: يستقبل القبلة ويجعل الحجرة عن يساره في قول وخلفه في قول.
لأن الحجرة النبوية لما كانت خارجة عن المسجد لم يكن يمكن أحدا أن يستقبل وجهه ﷺ، ويستدبر القبلة، كما صار ذلك ممكنا بعد دخولها في المسجد، بل كان إن استقبل القبلة صارت عن يساره، وحينئذ فإن كانوا يستقبلونه ويستدبرون الغرب فقول الأكثرين أرجح وإن كانوا يستقبلون القبلة حينئذ ويجعلون الحجرة عن يسارهم فقول أبي حنيفة أرجح" (^٣).
_________________
(١) انظر كتاب "اقتضاء الصراط المستقيم" لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ (ص ٧٦٢ - ٧٦٣).
(٢) سبق تخريجه (ص ١٢٦).
(٣) مجموع الفتاوى (٢٧/ ٣٣٠).
[ ١٦٥ ]
والسلف كلهم متفقون على أن الزائر لا يسأله شيئًا ولا يطلب منه ما يطلب في حياته ويطلب منه يوم القيامة لا شفاعة ولا استغفار ولا غير ذلك، وإنما كان نزاعهم في الوقوف للدعاء له والسلام عليه (^١).
فقد تكلم السلف في الدعاء للرسول ﷺ عند قبره:
١ - فمنهم من نهي عن الوقوف للدعاء له دون السلام عليه.
٢ - ومنهم من رخص في الدعاء له والسلام عليه.
٣ - ومنهم من نهي عن الدعاء له والسلام عليه (^٢) (أي عند قبره).
ولا يجوز السجود للحجرة ولا الطواف بها بل هو كفر بإجماع المسلمين (^٣) بل ولا الصلاة إليها لما ثبت في صحيح مسلم من أبي مرثد الغنوي أنه قال ﷺ: "لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها" (^٤).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "والصلاة إلى الحجرة والتمسح بها وإلصاق البطن بها وغير ذلك مما يفعله الجهال منهي عنه باتفاق المسلمين" (^٥).
قال أبو بكر الأثرم (^٦): قلت لأبي عبد الله - يعني: أحمد بن حنبل -: قبر النبي ﷺ يلمس ويتمسَّح به؟ فقال: ما أعرف هذا. قلت لأبي عبد الله: إنهم يلصقون بطونهم بجدار القبر. وقلت له: ورأيت أهل
_________________
(١) الرد على الأخنائي (ص ١٦٦).
(٢) الرد على الأخنائي (ص ١٦٣).
(٣) الرد على الأخنائي (ص ١٧٧، ٢١٥).
(٤) أخرجه مسلم في كتاب الجنائز، باب النهي عن الجلوس على القبر … برقم (ص ٩٧٢).
(٥) الرد على الأخنائي (ص ٢٢٩).
(٦) أحمد بن محمد بن هانئ الطائي: ويقال الكلبي، أبو بكر الأثرم، ثقة حافظ، صاحب تصانيف، روى عن أحمد بن حنبل وتفقه عليه، وسأله عن المسائل والعلل، توفي سنة ٢٦١ هـ، وقيل بعدها. تهذيب التهذيب (١/ ٧٨ - ٧٩).
[ ١٦٦ ]
العلم من أهل المدينة لا يمسونه، ويقيمون ناحية فيسلمون. فقال أبو عبد الله: "نعم، وهكذا كان ابن عمر يفعل. ثم قال أبو عبد الله: بأبي وأمي ﷺ" (^١).
أما السفر إلى "زيارة قبره" فهذا اللفظ فيه إجمال (^٢).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "لفظ إتيان القبر، وزيارة القبر، والسفر إلى القبر ونحو ذلك، يتناول من يقصد المسجد وهذا مشروع.
ويتناول من لم يقصد إلا القبر، وهذا منهي عنه كما دلت عليه النصوص وأنه مالك وغيره. فمن نقل عن السلف أنهم استحبوا السفر لمجرد القبر دون المسجد ولا الصلاة فيه، بل إنما يقصد القبر كالصورة التي نهى عنها مالك فإذا لا يوجد في كلام أحد من علماء السلف استحباب ذلك فضلا عن إجماعهم عليه. وهذا الموضع يجب على المسلمين عامة وعلمائهم تحقيقه ومعرفة ما هو المشروع والمأمور به الذي هو عبادة الله وحده وطاعة له ولرسوله وبر وتقوى وقيام بحق الرسول.
_________________
(١) الرد على الأخنائي (ص ١٧٨).
(٢) قال شيخ الإسلام ابن تيمية: هذا الموضع مما يشكل على كثير من الناس، فينبغي لمن أراد أن يعرف دين الإسلام أن يتأمل النصوص النبوية ويعرف ما كان يفعله الصحابة والتابعون وما قاله أئمة المسلمين ليعرف المجمع عليه من المتنازع فيه. فإن في الزيارة مسائل متعددة تنازعوا فيها، لكن لم يتنازعوا في استحباب السفر إلى مسجده واستحباب الصلاة والسلام عليه ونحو ذلك مما شرعه الله في مسجده، ولم يتنازع الأئمة الأربعة والجمهور في أن السفر إلى غير الثلاثة ليس بمستحب لا لقبور الأنبياء والصالحين ولا لغير ذلك، فإن قول النبي ﷺ: "لا تشد الرحال" حديث متفق على صحته وعلى العمل به، عند الأئمة المشهوون، وعلى أن السفر إلى القبور داخل فيه. الرد على الأخنائي (ص ٢٧٠ - ٢٧١).
[ ١٦٧ ]
وما هو شرك وبدعة وضلالة منهي عنها لئلا يلتبس هذا بهذا، فإن السفر إلى مسجد المدينة مشروع باتفاق المسلمين لكن: "إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى".
وقد تقدم عن مالك وغيره أنه من نذر إتيان المدينة إن كان قصده الصلاة في المسجد يوفي بنذره، وإلا لم يوف بنذره.
وأما إذا نذر إتيانه المسجد لزمه لأنه إنما يقصد الصلاة.
فلم يجعل إلى المدينة سفرًا مأمورًا به إلا سفر من قصد الصلاة في المسجد وهو الذي يؤمر به الناذر بخلاف غيره لقوله ﷺ: "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى" (^١).
وجعل من سافر إلى المدينة أو بيت المقدس لغير العبادة الشرعية في المسجدين سفرًا منهيًّا عنه، لا يجوز أن يفعله وإن نذره، وهذا هو قول جمهور العلماء.
فمن سافر إلى مدينة الرسول أو بيت المقدس لقصد زيارة ما هناك من القبور أو من آثار الأنبياء والصالحين كان سفره محرمًا عند مالك والأكثرين وقيل إنه سفر مباح ليس بقربة كما قاله طائفة من أصحاب الشافعي وأحمد، وهو قول ابن عبد البر.
وما علمنا أحدًا من علماء المسلمين المجتهدين الذين تذكر أقوالهم في مسائل الإجماع والنزاع ذكر أن ذلك مستحب.
فدعوى من ادعى أن السفر إلى مجرد القبور مستحب عند جميع
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة، باب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة. برقم (١١٨٩)؛ وأخرجه مسلم في كتاب الحج، باب لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد برقم (١٣٩٧).
[ ١٦٨ ]
علماء المسلمين كذب ظاهر، وكذلك إن ادَّعى أن هذا قول الأئمة الأربعة أو جمهور أصحابهم أو جمهور علماء المسلمين فهو كذب بلا ريب، وكذلك إن ادَّعى أن هذا قول عالم معروف من الأئمة المجتهدين.
وإن قال: إن هذا قول بعض المتأخرين أمكن أن يصدق في ذلك وهو بعد أن يعرف صحة نقله، نقل قولًا شاذًّا مخالفًا لإجماع السلف مخالفًا لنصوص الرسول ﷺ، فيكفي بقول فسادًا أن يكون قولًا مبتدعًا في الإسلام مخالفًا للسُّنَّة والجماعة، ولما سنَّه الرسول، ولما اجتمع عليه سلف الأمة وأئمتها، والنقل عن علماء السلف يوافق ما قاله مالك، فمن نقل عنهم ضد ذلك فقد كذب (^١).
هذا والله أعلم وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه.
* * *
_________________
(١) الرد على الأخنائي (ص ٢١٩ - ٢٢١).
[ ١٦٩ ]