وأذكر فيما يلي أمثلة لما فيه من أحاديثَ موضوعة أو ضعيفة جدًّا، مع الإشارة إلى بعض ما قاله أهل العلم فيها وذلك على سبيل التمثيل لا الحصر.
قال في (ص ١٥): "وروي عنه ﷺ أنه قال: "من صلى علي صلاة تعظيمًا لحقي خلق الله ﷿ من ذلك القول ملكًا له جناح بالمشرق والآخر بالمغرب، ورجلاه مقرورتان في الأرض السابعة السفلي، وعنقه ملتوية تحت العرش يقول الله ﷿ له: صل على عبدي كما صلى على نبي فهو يصلي عليه إلى يوم القيامة".
وقال في (ص ١٦): "وقال النبي ﷺ: "ما من عبد صلى علي إلّا خرجت الصلاة مسرعة من فيه، فلا يبقى بر ولا بحر ولا شرق ولا غرب إلا وتمر به وتقول: أنا صلاة فلان ابن فلان، صلى على محمد المختار، خير خلق الله، فلا يبقى شيء إلا وصلى عليه، ويخلق من تلك الصلاة طائر له سبعون ألف جناح، في كل جناح سبعون ألف ريشة، في كل ريشة سبعون ألف وجه، في كل وجه سبعون ألف فم، في كل فم سبعون ألف لسان يسبح الله تعالى بسبعين ألف لغة، ويكتب الله له ثواب ذلك كله.
هذان حديثان من أحاديث دلائل الخيرات يصدق عليهما قول العلامة ابن القيم ﵀ في كتابه "المنار المنيف": "والأحاديث الموضوعة
[ ٢٠ ]
عليها ظلمة وركاكة، ومجازفات باردة تنادي على وضعها واختلافها"، ثم ضرب لذلك بعض الأمثلة ثم قال: "فصل: ونحن ننبه على أمور كلية يعرف بها كون الحديث موضوعًا، فمنها: اشتماله على أمثال هذه المجازفات التي لا يقول مثلها رسول الله ﷺ، وهي كثيرة جدًّا، كقوله في الحديث المكذوب: "من قال لا إله إلا الله خلق الله من تلك الكلمة طائرًا له سبعون ألف لسان، لكل لسان سبعون ألف لغة يستغفرون الله له، ومن فعل كذا وكذا أعطي في الجنة سبعين ألف مدينة، في كل مدينة سبعون ألف قصر، في كل قصر سبعون ألف حوراء".
وأمثال هذه المجازفات الباردة التي لا تخلو حال واضعها من أحد أمرين: إما أن يكون في غاية (الجهل والحمق) وإما أن يكون (زنديقًا) قصد التنقيص بالرسول ﷺ بإضافة مثل هذه الكلمات إليه" انتهى.
وممن حكم بالبطلان على أمثال هذه الأحاديث من المعاصرين أبو الفضل عبد الله الصديق الغماري، قال في تعليقه على كتاب "بشارة المحبوب بتكفير الذنوب" للأذرعي (ص ١٢٥): "تنبيه: جاء في كثير من الأحاديث: من عمل كذا خلق الله من ذلك العمل ملكًا يسبح، أو يحمد الله، وكلها أحاديث باطلة". قال ذلك هنا، كتاب "دلائل الخيرات" ثناء عظيمًا في كتابه "خواطر دينية" ووصفه بأنه سار مسير الشمس" (^١).
يجب على المسلم البحث عن الحكم الشرعي والتثبت فيه قبل إتيان العمل في جميع شؤون حياته لقوله ﷺ في صحيح مسلم: "من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد". وتطبيق ذلك هو حقيقة الاتباع والتأسي برسول الله ﷺ.
_________________
(١) انظر مجموع كتب ورسائل سماحة الشيخ عبد المحسن بن حمد العباد البدر. (٧٦ - ٧١/ ٦)
[ ٢١ ]
يقول الشاطبي حول ذلك: "كل من ابتغى في تكاليف الشريعة غير ما شرعت له فقد ناقض الشريعة، وكل من ناقضها فعمله في المناقضة باطل، فمن ابتغى في التكاليف ما لم تشرع له فعمله باطل" (^١).
وفيه أن طاعة الرسول ﷺ سبب كل خير في الدنيا والآخرة، وأن مخالفته سبب كل شر في الدنيا والآخرة؛ فقال ابن القيم: "إن طاعة الله ورسوله وتحكيم الله ورسوله هو سبب السعادة عاجلًا وآجلًا. ومن تدبر العالم والشرور الواقعة فيه علم أن كل شر في العالم فسببه مخالفة الرسول ﷺ والخروج عن طاعته، وكل خير في العالم فإنه بسبب طاعة الرسول ﷺ. وكذلك شرور الآخرة وآلامها وعذابها إنما هو من موجبات مخالفة الرسول ﷺ ومقتضياتها، فعاد شر الدنيا والآخرة إلى مخالفة الرسول ﷺ وما يترتب عليه، فلو أن الناس أطاعوا الرسول ﷺ حق طاعته لم يكن في الأرض شر قط، وهذا كما أنه معلوم في الشرور العامة والمصائب الواقعة في الأرض، فكذلك هو في الشر والألم والغم الذي يصيب العبد في نفسه فإنما هو بسبب مخالفة الرسول ﷺ، ولأن طاعته هي الحصن الذي من دخله كان من الآمنين، والكهف الذي من لجأ إليه فهو من الناجين (^٢).
* * *
_________________
(١) الموافقات الشاطبي (٢/ ٣٢٢)
(٢) الرسالة التبوكية (١٣٥)
[ ٢٢ ]