قال تعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ ومَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلى النَّبِيِّ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب].
وهذه الآية هي الأصل في هذا الباب (^١) والإجماع منعقد على أن في هذه الآية من تعظيم ﷺ والتنويه به ما ليس في غيرها (^٢).
وهي مدنية النزول وقد جاءت بعد جملة من الآيات في سورة الأحزاب ذكر الله فيها عددا من حقوق نبيه ﷺ وما خصه به دون أمته، من حِلِّ نكاحه لمن تهب نفسها له، ومن تحريم نكاح أزواجه على الأمة من بعده، ومن سائر ما ذكر بعد ذلك من حقوقه وتعظيمه وتبجيله.
ثم ذكر رفع الجناح عن أزواجه في تكليمهن آباءهن وأبناءهن ودخولهم عليهن، وخلوتهم بهن.
ثم عقَّب ذلك بما هو حق من حقوقه الأكيدة على أمته، وهو أمرهم بصلاتهم عليه وسلامهم، مستفتحًا ذلك الأمر بإخباره بأنه هو وملائكته يصلون عليه (^٣).
_________________
(١) المنهاج للحليمي (٢/ ١٤٣).
(٢) القول البديع (ص ٢١).
(٣) جلاء الأفهام (ص ١٧٤ - ١٧٥).
[ ٥٤ ]
قال ابن كثير رحمه الله تعالى: "والمقصود من هذه الآية أن الله ﷾ أخبر عباده بمنزلة عبده ونبيه عنده في الملأ الأعلى بأنه يثني عليه عند الملائكة المقربين وأن الملائكة تصلي عليه، ثم أمر تعالى أهل العالم السفلي بالصلاة والتسليم عليه ليجتمع الثناء عليه من أهل العالمين العلوي والسفلي جميعا" (^١).
"فهذه الآية شرَّف الله بها رسوله ﷺ في حياته وبعد موته" (^٢) "وفيها تنبيه على كمال الرسول ﷺ ورفعة درجته وعلو منزلته عند الله وعند خلقه ورفع ذكره، فقوله: ﴿إنَّ اللَّهَ ومَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلى النَّبِيِّ﴾؛ أي يثني الله عليه بين الملائكة وفي الملأ الأعلى لمحبته تعالى، ويثني عليه الملائكة المقربون ويدعون له ويتضرعون.
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ اقتداء بالله وملائكته وجزاء له على بعض حقوقه عليكم، وتكميلا لإيمانكم، وتعظيما له ﷺ ومحبة وإكراما وزيادة في حسناتكم وتكفيرًا من سيئاتكم" (^٣).
قال الحليمي: "وقد أمر الله تعالى في كتابه بالصلاة والتسليم عليه جملة فقال: ﴿إنَّ اللَّهَ ومَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلى النَّبِيِّ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ فأمر الله عباده أن يصلوا عليه ويسلموا، وقدم قبل أمرهم بذلك إخبارهم بأن ملائكته يصلون عليه، لينبئهم بذلك على ما في الصلاة عليه من الفضل، إذ كانت الملائكة مع انفكاكهم من شريعته
_________________
(١) تفسير ابن كثير (٣/ ٥٠٧).
(٢) تفسير القرطبي (١٤/ ٢٣٢) بتصرف.
(٣) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان للشيخ عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي (٦/ ١٢٠ - ١٢١).
[ ٥٥ ]
تتقرب إلى الله بالصلاة والتسليم عليه ليعلموا أنهم بالصلاة والتسليم عليه أولى وأحق" (^١).