حاء في معجم مقاييس اللغة "صلى: الصاد واللام والحرف المعتل أصلان: أحدهما: النار وما أشبهها من الحمى - وقد تقدم ذكره - والآخر جنس من العبادة …
وأما الثاني: فالصلاة وهي الدعاء، وقال رسول الله ﷺ: "إذا دعي أحدكم إلى طعام فليجب فإن كان مفطرا فليأكل وإن كان صائما فليصل" (^٣) أي فليدع لهم بالخير والبركة.
قال الأعشى (^٤):
تقول بنتي وقد قربت مرتحلا … يا رب جنب أبي الأوصاب والوجعا
_________________
(١) تهذيب اللغة (١٢/ ٢٣٨).
(٢) الصِّلات والبشر (ص ٦).
(٣) أخرجه مسلم في كتاب النكاح، باب الأمر بإجابة الداعي إلى دعوة برقم (١٤٣١).
(٤) اسمه ميمون بن قيس بن جندل من بني قيس بن ثعلبة الوائلي: من شعراء الطبقة الأولى في الجاهلية وأحد أصحاب المعلقات، أدرك الإسلام ورحل إلى الرسول ﷺ ليؤمن به، ولكن قريشًا صرفته بمئة من الإبل. الأعلام (٧/ ٣٤١).
[ ٢٦ ]
عليك مثل الذي صليت فاغتمضي … نومًا فإن لجنب المرء مضطجعًا (^١)
وقال في صفة الخمر:
وقابلها الريح في دِنِّها … وصلى على دِنِّها وارتسم (^٢) " (^٣)
"أي دعا لها ألا تحمض وتفسد" (^٤).
وأورد هذا المعنى أيضا الأزهري في تهذيب اللغة (^٥).
وقال ابن القيم "وأصل هذه اللفظة يرجع إلى معنيين: أحدهما: الدعاء والتبريك. والثاني: العبادة. فمن الأول قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وتُزَكِّيهِمْ بِها وصَلِّ عَلَيْهِمْ إنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ [التوبة: ١٠٣]. وقوله تعالى في حق المنافقين: ﴿ولا تُصَلِّ عَلى أحَدٍ مِنهُمْ ماتَ أبَدًا ولا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ﴾ [التوبة: ٨٤] وقول النبي صلى الله عليه وسم: "إذا دعي أحدكم إلى طعام فليجب فإن كانصائما فليصلِّ" فسِّر بهما. قيل: فليدع لهم بالبركة. وقيل: يصلي عندهم بدل أكله. وقيل إن الصلاة في اللغة معناها الدعاء.
والدعاء نوعان: دعاء عبادة. ودعاء مسألة. والعابد داع كما أن السائل داع، وبهما فسر قوله تعالى ﴿وقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠]. قيل: أطيعوني أثبكم. وقيل: سلوني أعطكم. وفسر بهما قوله تعالى: ﴿وإذا سَألَكَ عِبادِي عَنِّي فَإنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدّاعِ إذا دَعانِ﴾ [البقرة: ١٨٦] ".
ثم قال رحمه الله تعالى: "والصواب: أن الدعاء يعم النوعين،
_________________
(١) ديوان الأعشى (٧٣).
(٢) المصدر السابق (٢٩).
(٣) معجم مقاييس اللغة (٣/ ٣٠٠).
(٤) تهذيب اللغة (١٢/ ٢٣٧).
(٥) تهذيب اللغة (١٢/ ٢٣٧).
[ ٢٧ ]
وهذا لفظ متواطئ لا اشتراك فيه (^١)، فمن استعماله في دعاء العبادة قوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقالَ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ ولا فِي الأرْضِ﴾ [سبأ: ٢٢] وقوله تعالى: ﴿والَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شيئا وهم يخلقون﴾ [النحل].
وقوله تعالى: ﴿قُلْ ما يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعاؤُكُمْ﴾ [الفرقان: ٧٧] والصحيح من القولين لولا أنكم تدعونه وتعبدونه أي: شيء يعبأه بكم لولا عبادتكم إياه فيكون المصدر مضافا إلى الفاعل. وقال تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٥٥) وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٥٦)﴾ [الأعراف]، وقال تعالى إخبارا عن أنبيائه ورسله: ﴿إنَّهُمْ كانُوا يُسارِعُونَ فِي الخَيْراتِ ويَدْعُونَنا رَغَبًا ورَهَبًا﴾ [الأنبياء: ٩٠].
وهذه الطريقة أحسن من الطريقة الأولى، ودعوى الخلاف في مسمى الدعاء.
_________________
(١) الألفاظ على أربعة أقسام: ا - الألفاظ المترادفة: وهي ما اختلفت ألفاظها واتحدت معانيها مثل: الليث، الأسد، الغضنفر ألفاظ مختلفة ولكنها جميعها دلت على معنى واحد وهو الحيوان المعروف.
(٢) الألفاظ المشتركة: وهي ما اتحدت ألفاظها واختلفت معانيها مثل: العين، تطلق على العين الباصرة والعين الجارية والجاسوس.
(٣) الألفاظ المتباينة: ما اختلفت ألفاظها ومعانيها. مثل: السماء والأرض - الجدار والسقف.
(٤) الألفاظ المتواطئة: ما اتفقت ألفاظها ومعانيها. فإذا كان المعنى متساويًا في الجميع فهو: التواطؤ المطلق ومثاله: "الرجل": لزيد وعمرو. وإذا كان المعنى متفاضلًا فهو: التواطؤ المشكك ومثاله: النور للشمس والسراج، التحفة المهدية (١/ ٢٠٩).
[ ٢٨ ]
وبهذا تزول الإشكالات الواردة على اسم الصلاة الشرعية، هل هو منقول عن موضعه في اللغة فيكون حقيقة شرعية أو مجازا شرعيا.
فعلى هذا تكون الصلاة باقية على مسماها في اللغة وهو الدعاء، والدعاء، دعاء عبادة، ودعاء مسألة، والمصلي من حين تكبيره إلى سلامه بين دعاء العبادة ودعاء المسألة فهو في صلاة حقيقة لا مجازا ولا منقولة، لكن خص اسم الصلاة بهذه العبادة المخصوصة كسائر الألفاظ التي يخصها أهل اللغة والعرف ببعض مسماها كالدابة والرأس ونحوهما، فهذا غاية تخصيص اللفظ وقصره على بعض موضوعه، ولهذا لا يوجب نقلا ولا خروجا عن موضوعه الأصلي والله أعلم. انتهي (^١).
_________________
(١) جلاء الأفهام (ص ٧٣ - ٧٤).
[ ٢٩ ]