كان أبو سفيان بن حرب من أكبر أعداء الإسلام، وله في حرب الإسلام وأهله مواقف كثيرة، منها أنه كان واحدًا من أبرز زعماء قريش الذين حرضوا على الاسلام ورسوله في مكة قبل الهجرة، وحاول أن يفتري على رسول الله ﷺ عند قيصر الروم، وبعد معركة بدر الكبرى تولى القيادة السياسية والعسكرية لقيش، فجيش الجيوش لحرب الاسلام وحرض القبائل على قتال المسلمين، وعقد الأحلاف مع يهود لحرب الرسول – ﵇ – وقاد معركة أحد ومثل فيها بشهداء المسلمين، وقاد معركة الخندق بعد أن حشد لحرب الإسلام عشرة آلاف مقاتل، ووقف موقفًا مزريًا عندما حرض على قتل أسرى المسلمين خبيب بن عدي وزيد بن الدثنة، ودبّر مؤامرة فاشلة لقتل الرسول غيلة، فقد روي أنه وقف في جمع من قريش وقال: يا معشر قريش ألا أحد يغتال ممحدًا، فإنه يمشي في الأسواق؟
فقام رجل أعرابي فقال: لقد وجدت أجمع الرجال
[ ١١١ ]
قلبًا وأشده بطشًا وأسرعه شدًا! فإن أنت أعنتني خرجت اليه حتى أغتاله ومعي خنجر مثل خافية النسر، أذهب إليه وحدي، فإني هاد بالطريق خرّبت!
قال أبو سفيان: أنت صاحبنا.
فأعطاه بعيرًا ونفقة وقال له: اطوِ أمرك.
وخرج الأعرابي يسير ليله ويكن نهاره حتى أتى المدينة، فسأل عن رسول ﷺ فدلوه على المسجد، فلما أقبل على رسول الله قال: " إن هذا ليريد غدرًا ".
فقام إليه أسيد بن الخضير فيجذبه جذبة أطاحت الخنجر من بين ثيابه، فصاح الرجل: دمي، دمي!
فقال الرسول ﷺ " اصدقني من أنت ".
قال الأعرابي: وأنا آمن؟
قال ﵇: " نعم ".
فأخبره أنه صنيعة أبي سفيان بن حرب وأنه أرسله لقتله وأعطاه على ذلك مالًا.
فأبو سفيان بن حرب كان الزعيم الذي تطيعه قريش وتجتمع حوله القبائل، وله نشاط فعال في حرب الدعوة الاسلامية والتحريض عليها، وقد ولع في دماء المسلمين وتمادى في كل ذلك، فمن الحكمة أن يتخلص منه المسلمون لعل قريشًا لا تجد من تجتمع عليه لحرب المسلمين بعده.
[ ١١٢ ]
محاولة قتل أبي سفيان:
أرسل رسول الله ﷺ إلى عمرو بن أمية الضمري وسلمة بن أسلم، وأمرهما أن يذهبا إلى مكة لقتل أبي سفيان، وقال لهما: " إن أصبتما منه غرة فاقتلاه ".
خرج الصحابيان الفدائيان من المدينة إلى هدفهما بمكة، ومعهما بعير واحد، وسارا يستخفيان حتى وصلا جبل يأجج بمكة، فحبسا بعيرهما في شعب الجبل، وانتظرا إلى أن خيم الليل بظلامه على الكون فقاما إلى هدفهما، وخطرت فكرة لسلمة فقال: يا أبا أمية، لقد وصلنا مكة، ألا نبدأ فنطوف بالكعب ونصلي ركعتين؟
قال عمرو: لقد جئنا في مهمة يجب أن نقدمها، وأنا أعرف أهل مكة، إنهم إذا تعشوا جلسوا بأفنيتهم فأخشى إن بدأنا بالطواف أن يرانا القوم، وكلهم يعرفني، فنفشل فيما جئنا له.
وما زال سلمة بعمرو حتى وافقه، فدخلا مكة وطافا بالكعبة وصليا ركعتين، ثم انطلقا إلى هدفهما، أبي سفيان بن حرب.
وبينما كان عمرو وصاحبه يمشيان في طرقات مكة نظر اليهما رجل من أهلها فعرف عمرو بن أمية، وقد كان فيها معروفًا، فصاح الرجل: من؟ عمرو بن أمية بمكة؟ والله إن قدمها إلا لشر! يا معشر قريش عليكم بالرجل قبل أن يفلت! .
[ ١١٣ ]
ودبت الحركة في طرقات مكة، وتنادى القوم للحاق بالفدائيين، فقال عمرو لصاحبه: النجاه، النجاه.
وخرجا يشتدان، وأهل مكة في أثرهما، ولكنهما فاتاهم بمسافة، فوصلا رأس الجبل، ودخلا كهفًا فيه، وسدّا مدخله بالحجارة.
ولما رأى المكيون أن الصحابيين قد أفلتا وأن الليل قد أخفاهما، عادوا أدراجهم وهم يتحدثون عن جرأة عمرو ويتساءلون عن الهدف الذي قدم إلى مكة من أجله!
وبات الصحابيان ليلتهما في الغار، فلما أصبحا وهمّا بالخروج شاهدا رجلًا من قريش على فرس له، فخشي عمرو أن يراهما فينذر أهل مكة، فخرج إليه خلسة واستل خنجره وأغمده في قلبه وعاد إلى الكهف، فصاح الرجل صيحة أسمعت من بمكة، فاشتدوا نحو الصوت، فوصلوا الرجل وبه رمق. فقالوا: من قتلك؟
قال: عمرو بن أمية.
قالوا: وأين ذهب؟
فرفع الرجل رأسه قليلًا، وفتح شفتيه ليتكلم ولكنه لفظ أنفاسه قبل أن ينطق، فاحتمله القوم وعادوا به إلى مكة.
[ ١١٤ ]
محاولة إنقاذ جثة خبيب:
أما الفدائيان ﵄، فكانا في الغار يومين حتى خف عنهما الطلب، فخرجا يريدان المدينة، فمرا بتنظر ذاب له قلباهما أسى ولوعة. . خبيب بن عدي – ﵁ – مصلوب على خشبة وحوله رجال يوقدون نيرانهم ويسهرون على حراسته. فقال عمرو لسلمة: هل لك في أن نأخذ خبيبًا ونعود به إلى المدينة؟
قال سلمة: نعم.
قال عمرو: انتظر حتى أغافل القوم وأنتزع الجثة.
وتسلل عمرو نحو الخشبة، وانتزع عنها جثة خبيب، واشتد مسرعًا،،ولحق به سلمة يعينه، ولكن الحرس أحسوا بهما، فأسرعوا خلفهما بسيوفهم، ولما رأى عمرو أنهما أدركا، ألقى بالجثة وصاح بسلمة: النجاه النجاة حتى تأتي البعير فتركبه فإني سأشاغل القوم عنك ولا يشغلنك أمري، فإنهم لن يصلوا إلي.
ومضى سلمة إلى البعير فركبه وانطلق به إلى المدينة.
قتل رجل من بني بكر:
ومضى عمرو يطوي الصحراء ماشيًا لا يستريح إلا لحيظات ثم يستمر، إلى أن وصل إلى مكان يقال له " ضجنان " فأوى إلى كهف فيه، وألقى بجسمه المكدود وأغمض عينيه
[ ١١٥ ]
وقبل أن يستغرق في النوم سمع صوتًا بباب الكهف، فانحاز إلى جانبه المظلم يستخفي من القادم، فدخل عليه رجل أعور من بني بكر، فوثب عمرو ووقف خلف الرجل بقوسه وقال: من الرجل؟
قال: رجل من بني بكر.
قال عمرو: وأنا من بني بكر، حسبتك عدوًا.
قال الرجل: لقد أفزعتني، حسبتك أول الأمر من أصحاب محمد.
قال عمرو: وهل عندك شيء من محمد؟
قال الرجل: ليس إلا العداوة ما حييت وانطلق يحدو:
ولست بمسلم ما دمت حيًا ولست أدين دين المسلمينا.
قال عمرو لنفسه: سنرى.
واضطجع الرجل واستغرق في النوم، فقام اليه عمرو ووضع سية قوسه في عينه الصحيحة وتحامل عليه حتى بلغ العظم، فقتله شر قتلة.