ثم دعا رسول الله محمد بن مسلمة وأرسله إليهم وأمره أن يبلغهم هذه الرسالة: يا بني النضير " اخرجوا من بلدي فلا تساكنوني بها وقد هممتم بما هممتم به من الغدر، وقد أجلتكم عشرًا، فمن رُئي بعد ذلك ضربت عنقه ".
قرار حاسم من رسول الله، فما دامت يهود لم تلتزم بما
[ ٧٠ ]
عاهدت عليه وهمت بالغدر، وهو أبشع ما يتصف به قوم، فأقل جزاء لهم الجلاء.
وانطلق محمد بن مسلمة بالرسالة إلى منازل بني النضير، فوجد قومًا انخلعت قلوبهم رعبًا، لا يدرون ما الله صانع بهم، وكانوا يخشون أن يبيد الرسول خضراءهم جزاء غدرهم، فلما رأوا محمد بن مسلمة هرعوا إليه وتعلقوا به، وهتفوا بصوت واحد: ما وراءك يا بن مسلمة؟ ما الذي أغضب أبا القاسم فغادر ديارنا دون أن يكلمنا؟ نحن على استعداد لأن ندفع دية الرجلين العامريين وحدنا. ألا يرضيك يا أيا عبد الرحمن هذا؟
وهز محمد بن مسلمة رأسه وقال: ما كان أغناكم عما أنتم فيه لو لم تكونوا قومًا غُدرًا. إن رسول الله يأمركم بالجلاء عن المدينة، ومن وُجد منكم بعد عشرة أيام ضربت عنقه.
ولوى ابن مسلمة عنان فرسه وانطلق عائدًا وانصرفت يهود تجهز نفسها للخروج، وما ظنوا أنهم قد نجوا من شر فعلتهم التي هموا بها.
وبينا هم في غمرة استعداداتهم للخروج أتاهم رسول من رأس النفاق يقول لهم: يقول لكم عبد الله بن أبي: لا تخرجوا من دياركم وأقيموا في حصنكم، فإن معي ألفين من قومي وغيرهم من العرب يدخلون معكم حصنكم وتمدكم قريظة
[ ٧١ ]
وحلفاؤكم من غطفان.
وفي كل مرة يثبت اليهود أنهم قوم لا يعقلون!
لقد غرهم عرض رأس النفاق وحسبوا أنه سيبر بوعده ويدخل معهم حصنهم ويقاتل المسلمين، وما أدركوا أنه لو كان صادقًا لواجه النبي وهو بين قومه وفي مدينته، وما دروا أن الذي يظهر الإسلام خوفًا من محمد لا يمكن أن ينحاز إليهم فيحاربه معهم. إن قلب ابن أُبي قد انهزم سلفًا أمام الرسول فنافق، فلا يمكن أن يقاتل بعد ذلك مع أحد أبدًا.
ووقع اليهود في شر أعمالهم، وراحوا ضحية غرورهم وتفاهة تفكيرهم، فأرسلوا إلى رسول الله ﷺ يقولون: " إنا لا نخرج من ديارنا، فاصنع ما بدا لك "!
فلما بلغت هذه الرسالة رسول الله، كبّر وقال: حاربت يهود، فكبر المسلمون لتكبير رسول الله، فارتجت جنبات المدينة بالهتاف الخالد: " الله أكبر، الله أكبر ". ووصلت أصوات التكبير إلى أسماع المنافقين، فارتعدت فرائصهم وخارت عزائمهم، ونكصوا عن نصرة بني النضير. أما بنو قريظة، فما إن سمعوا دوي التكبير حتى أغلقوا على أنفسهم حصونهم، وقالوا: بل نفي العهد الذي بيننا وبين محمد، فما لنا ولقوم جنوا على أنفسهم، ونكثوا عهودهم!
[ ٧٢ ]
وانتظر بنو النضير أن يأتيهم ما وُعدوا به من مدد، وطال بهم الانتظار، فعلموا أن ما أملوه خيال وأن الذي وُعدوه سراب، ولم يجدوا من بين ما قيل لهم حقًا سوى جيش رسول الله يحيط بحصنهم ويضيق الخناق عليهم، ثم يأمر بنخلهم أن يحرق، فلم يعد لهم أمل في البقاء فأرسلوا إلى رسول الله: نحن نخرج عن بلادك.
فقال لهم رسول الله: " لا أقبله اليوم، ولكن اخرجوا منها ولكم دماؤهم وما حملت الإبل إلا الحلقة ".
لقد كانوا بنجوة من هذا العقاب لو أنهم لم يغدروا، وقد كان بإمكانهم أن يخرجوا بأموالهم جميعها لو أنهم لم يستمعوا لتحريض المنافقين.
ونادى رسول الله ﷺ محمد بن مسلمة، فأمره أن يتولى إخراجهم، فقام – ﵁ – بهذه المهمة خير قيام.
* *