انضم كثير من يهود المدينة إلى يهود خيبر، وراحوا يكيدون للإسلام وأهله، وتمادوا في ضلالهم ومؤامراتهم رغم الطرق العديدة التي اتبعها معهم المسلمون في محاولات لردعهم وإسكاتهم. ولكن هيهات هيهات، فيهود أشد الناس عداوة للذين آمنوا، ولا زالت
عداوتهم تقودهم من تهلكة إلى تهلكة، وهم سادرون فيما هم فيه من غل وبغضاء، ولن يكفوا عن ضلالهم حتى يقودهم إلى البوار والفناء.
وكان لا بد من غزو خيبر، فانتدب الرسول المسلمين لهذا الغزو، فلبوا النداء، فسار بهم الرسول إلى خيبر، وفي خيبر أعظم حصون يهود، وفي حصونها أشد رجالهم بأسًا وأكثرهم شجاعة وإقدامًا.
وعندا أطل الجيش الإسلامي على خيبر، وقف الرسول ينظر إليها، ووقف المسلمون خلفه ينتظرون ما هو صانع، فإذا برسول الله ﷺ يرفع صوته قائلًا: " الله أكبر،
[ ٩٠ ]
خربت خيبر، إنا اذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين ".
وكبّر المسلمون لتكبير رسول الله، وتجاوبت بالتكبير بطاح خيبر وحصونها وبساتينها، ونشط المسلمون للقتال، وتفاءلوا بالنصر المبين.
أما يهود خيبر فما إن سمعوا هذا النداء الخالد حتى فزعوا وراحوا يهرعون إلى حصونهم، بل حجورهم، وهم يقولون: محمد والخميس! (١) محمد والخميس!
قتل مرحب وكنانة:
واحاط الجيش الاسلامي بالحصون والأسوار، واستعد للقتال، فبرز من خلال الحصون " مرحب " أشهر فرسان يهود واشدهم إقدامًا، فبرز له رجال من المسلمين فقتلهم، وكان قبل خروجه من الحصن قد رمى حجرًا من فوق أحد الأسوار فقتل به محمود بن مسلمة الأنصاري.
وجال مرحب حول عسكر المسلمين وأخذ يرتجز:
قد علمت خيبر أني مرحب شاكي السلاح بطل مجرب
ثم وقف أمام الجيش وصاح: هل من مبارز؟ هل من مبارز؟
فقال رسول الله: من لهذا؟
_________________
(١) الخميس: الجيش الجرار، سمي بذلك لأنه خمس فرق، المقدمة والقلب والميمنة والميسرة والساق.
[ ٩١ ]
فنهض محمد بن مسلمة وتقدم من رسول الله ﷺ وقال: أنا له يا رسول الله، انا والله الموتور الثائر. قتل أخي محمود.
فقال له رسول الله: " قم اليه ". ثم دعا له قائلًا: اللهم أعنه عليه.
ونزل محمد بن مسلمة إلى غريمه الذي قتل عددًا من المسلمين من قبل. نزل إليه ودعاه رسول الله يرن في أذنه: " اللهم اعنه عليه ". فمن كان الله في عونه لا يقدر عليه أحد. واندفع البطل بإيمان لا يتزعزع وبشجاعة يقر له بها كل من عرفه، وصاول مرحبًا وجاوله، وكلما ظن أنه تمكن منه وجده قد راغ كما يروغ الثعلب. ودار كل من الفارسين حول صاحبه يريد أن يقتنص منه فرصة فيغتنمها. وكان المسلمون ينظرون إلى محمد بن مسلمة بإعجاب وثقة. وكانت يهود تضع كل أملها في فارسها الهمام، فلا تتوقع الهزيمة، ولا تعرف ماذا تصنع بعده!
ولاحت الفرصة لمرحب فانقض على البطل المسلم وحمل عليه بسيفه وضربه به ضربة هائلة انحبست لها انفاس المسلمين جميعًا، ولكن محمد بن مسلمة تلقاها بالدرقة، فنفذ نصل السيف فيها، وعضت عليه، ودون أن تأخذ ابن مسلمة المفاجأة انقض على غريمه فضربه بسيف فصرعه (١) !
_________________
(١) في رواية أخرى يرجحها معظم المؤرخين أن الذي قتل مرحبا اليهودي هو الإمام علي بن أبي طالب – ﵁ –.
[ ٩٢ ]
وهتف المسلمون بصوت واحد: الله أكبر.
وانسحبت يهود من ظهور أسوارها، وقد ملأها رعبًا ويأسًا مصرع فارسها مرحب.
ودب الحماس والنشاط في جيش المسلمين، فشددوا من هجماتهم وغاراتهم على اسوار خيبر واستطاعوا أن يقتلوا عددًا من رجال يهود. وأسروا في هجمة من هجماتهم كنانة بن الربيع، وهو سيد من سادات يهود، فطلبه محمد بن مسلمة من رسول الله ﷺ ليقتله بأخيه محمود، فاستجاب له رسول الله، فأخذه إلى ناحية من عسكر المسلمين وضرب عنقه.
* *