لقد كان قتل سلام بن أبي الحقيق ملك يهود حدثًا عظيمًا هز خيبر ويهود هزًا عنيفًا، فلم يعودوا آمنين في حصونهم وبين أهلهم، لقد أخذ المسلمون عليهم البلاد،
[ ٣٧ ]
وأحاطوهم بجدار من الرعب، فلم يعد أحدهم يأمن على نفسه في سربه وبين ذويه.
وتنادت يهود لبحث ما جد من أمورها، فاجتمع القوم يبحثون في علاقاتهم مع المسلمين، هل تستمر على ما هي عليه من خصام وعداء، أم يجنحون إلى السلام ويفيئون إلى الوئام؟ !
قال قائلهم: يا معشر يهود، إن لنا عند محمد تارات يجب أن لا نتهاون فيها، إنها ترات قريظة والنضير، وكعب وسلام، كيف نسالم من سلبنا عزنا وشرفنا؟ كيف نهادن من استولى على أرضنا وأخرجنا من ديارنا؟ كيف نصافي من قتل أشرافنا وساداتنا؟ كيف نركن إلى السلام ونحن ذوو ألسنة لداد وقلوب شداد وسيوف حداد؟ أنختار
السلام ولنا من أموالنا ما يكفي لشراء السلاح وإغراء الأعراب؟ فلنبذل أموالنا رخيصة ولا نمد أيدينا لمحمد بسلام!
وأثارت هذه الكلمات جمهور الحاضرين، وعلت صيحاتهم بالانتقام، وتنادوا إلى امتشاق السلاح واعلان الحرب العوان.
ووقف اليُسير بن رزام، وهو سيد من ساداتهم يحظى عندهم بالإجلال والاحترام، فأشار إليهم بالاستماع، ثم قال:
[ ٣٨ ]
يا معشر يهود، يا حملة التوراة المقدسة، يا من فضلكم الله على العالمين، لقد وتركم محمد ما في ذلك شك ولا ريب، لقد سلبكم أرضكم، وطأطأ من شرفكم، وضيق عليكم في رزقكم، فلا نشك أنه العدو، وأن بغضه واجب علينا وفرض في ديننا! ولكن ألا ترون أن أمر محمد قد علا، وان قوته في ازدياد، وأن المواجهة العسكرية معه لا تجدي لأنه المنتصر لا محالة؟ فلنعالج الأمر بالحيلة والخديعة والوقيعة، فإذا كان محمد يستطيع أن يهزمنا بالسلاح، فأنى له أن يجارينا بالوقيعة والخداع، ونحن أهلها منذ كنا؟ ! فلنؤلب عليه الأعراب، ولنبذل في سبيل ذلك المال والسلاح، ولنبق كل ذلك سرًا، فنأمن انتقامه، ونصطنع معه الموادعة والملاينة، وننتظر ما يحل به على أيدي الأعراب وأهل مكة!
هذا هو الحزم عندي، وهذا هو الرأي الذي أرتضيه لكم، ولكن قبل أن تحزموا أمركم على شيء من هذا، لا بد لكم من ملك تملكونه أمركم، أو زعيم تسلمون إليه قيادكم، فالأمور لا تصلحها الفوضى، بل لا بد لها من قيادة حازمة واعية!
وتعالت أصوات الحاضرين: لقد أشرت بالرأي، فلنختر لأنفسنا ملكًا.
وتنادت أصوات: ليس لها غيرك يا بن رزام، إننا
[ ٣٩ ]
ارتضيناك لنا منذ اليوم ملكًا وسيدًا.
ووافق الجميع، وتم الأمر، وأصبح اليسير خليفة سلام المصروع، وتسلم زعامة خيبر!
وكان أول عمل بدأ به اليسير أن شد رحاله وتوجه إلى قبائل غطفان، وأخذ يؤلبها على محمد ويذكرها بيوم الأحزاب، وأنهم كانوا قاب قوسين من النصر لولا عارض الريح الذي جعلهم ينكصون عن القتال، وأخذ يحثهم ويجزل لهم العطاء، ويكثر فيهم البذل، ويمنيهم بالوعود ليكونوا معه إلبًا على محمد وعلى المسلمين.