وحل موعد الحج إلى البيت العتيق في مكة قبل أن يفرغ الشقيقان المتخاصمان – الأوس والخزرج – من أمر تسويد عبد الله بن أبي بن سلول على الحيّين، ولم يكن العرب – وأهل يثرب منهم – ما يمكن أن يشغلهم عن
_________________
(١) معاذ بن جبل الأنصاري الخزرجي، شهد العقبة الكبرى مع السبعين من الأنصار، آخى رسول الله بينه وبين عبد الله بن مسعود، شهد المشاهد كلها مع رسول الله، استعمله رسول الله قاضيًا على اليمن وقال عنه: " اعلم امتي بالحلال والحرام معاذ بن جبل " مات في طاعون عمواس سنة ١٨ هـ وعمره أربعة وثلاثون عامًا.
[ ٢٥ ]
الحج إلى مكة، فآثروا أن يؤجلوا اتخاذ القرار النهائي في هذا الأمر الجلل لحين عودتهم من مكة، وأسرعوا إلى مطيهم يحثونها في الطريق إلى البيت، وكان من عادتهم أن يخرجوا في جماعتين متباعدتين، فخرجوا هذا العام في جماعة واحدة، فامتلأ الوادي بهم، وسال بمطيهم، وحدا حاديهم فأطربهم ونشط إبلهم، فكانوا يشعرون بأن هذه الرحلة إلى البيت المقدس ليست كاللاتي سبقت في السنين الخوالي، وكانوا يعزون ما ينتابهم من انشراح ونشاط وسرور إلى هذه الألفة الجديدة التي وحدت جموعهم، وأزالت ما في صدورهم من غل، وانتزعت ما في نفوسهم من بغضاء.
وكانت المشاعر المقدسة تموج بالقبائل العربية التي آتت اليها من كل فج عميق، وكانت هذه الجموع تموج بهذا الحديث العجيب عن فتى من قريش جاء بحدث عظيم، فكان حديثهم عن هذا الحدث هامسًا تارة، معلنًا عن نفسه تارة أخرى. وتناقل الناس حديث هذا الدين الجديد الذي يدعو إليه محمد بن عبد الله الهاشمي القرشي، كما سمعوا في
دهشة واستغراب شديدين ما يقوله القرشيون عن محمد، وما يرمونه به من سحر وكهانة وشعر، وما يرمون به الدين الجديد، فيزعمون أنه يفرق بين الأخ وأخيه والابن وأبيه والرجل وزوجه، مما جعل القبائل تنفر من الدين، وتتجنب الاجتماع بالرسول الأمين.
[ ٢٦ ]
وعلى الرغم من كل ما بذلت قريش لتصد عن سبيل الله، إلا أن نفرًا من اليثربيين استمعوا للرسول، فما كان منهم إلا أن بادروا بالاسلام، فهم قد سمعوا من يهود عن نبي يرسل بالدين الحنيف، وكانوا يتوعدونهم به، فكان من همتهم وفطنتهم، ومما أكرمهم الله به، أن سبقوا إليه وآمنوا به، وبايعوا رسول الله، وواعدوه الموسم من العام المقبل، يلقونه فيه، وقد دعوا قومهم إلى الإيمان، وجاؤوا بغيرهم لمبايعة رسول الإسلام.
* *