كان المهاجرون في الحبشة يتابعون أخبار إخوانهم الذين ثبتوا في مكة. ولما علموا بهجرتهم إلى يثرب جلسوا ينتظرون أمر رسول الله ﷺ لكي يلحقوا بهم، ولكن
[ ١١٨ ]
المدة طالت ورسول الله يؤجل ذلك حتى تستقر له الأمور في المدينة وما حولها، ومضت بدر وأحد والخندق، وسمع مهاجرو الحبشة بأخبارها، فتمنوا لو كانوا من جنودها، وازداد شوقهم لرسول الله ومن معه من المسلمين.
وحدث ما أزعج مهاجري الحبشة، ذلك أن عبيد الله ابن جحش تنصر، وراود امرأته أم حبيبة بنت أبي سفيان على النصرانية فامتنعت وثبتت على إسلامها. ووصل خبر ذلك إلى رسول الله ﷺ فاستدعى عمرو بن أمية الضمري وكتب رسالة إلى النجاشي يدعوه فيها إلى الإسلام ويطلب منه أن يزوجه أم حبيبة وأن يحمل من عنده من المسلمين ويرسلهم إلى المدينة، وطلب من عمرو أن ينطلق بالرسالة الى النجاشي.
استقبل المسلمون في الحبشة عمرو بن أمية بالبهجة والسرور، وأمطروه بالأسئلة عن رسول الله والمسلمين:
- كيف تركت رسول الله ﷺ؟
- كيف تركت أبا بكر وعمر وعثمان و. . . و. . .؟
- حدثنا عن أمر بدر، وكيف نصر الله عبده رسول الله وأعز جنده المسلمين؟
- قل لنا كيف كان مبدأ أحد؟ وكيف دارت الدائرة على المسلمين؟ وكيف سولت لإخوتنا أنفسهم أن يخالفوا أمر رسول الله فيتركوا مواقعهم؟
[ ١١٩ ]
- حدثنا عن أمر الخندق، ومن أشار به؟ وكيف واجهت قريش هذه المكيدة؟ وكيف هزمها الله؟
- لقد سمعنا بغدر يهود وبمصيرهم على أيدي المؤمنين، فكيف كان ذلك؟ ومتى؟
رجال ونساء وأطفال يحيطون بعمرو بن أمية، وكل منهم يريد جوابًا على ما سأل، وعمرو تغمره السعادة وهو يجيب على هذا، ويصبّر ذاك حتى ينتهي من جواب أخيه. وأخيرًا سأل أحدهم: هل أمر رسول الله بردنا إلى المدينة؟
قال عمرو: لبث قليلًا يأنك الخبر، استأذنوا لي على النجاشي كبير الحبشة.
وفي اليوم الثاني كان عمرو في مجلس النجاشي، وتقبل النجاشي رسالة الرسول بالتجلة والاحترام، وسأله عنه وعن المسلمين. ولمس عمرو في حديث النجاشي حبًا لرسول الله ولدين الإسلام، فاستبشر خيرًا، وطمع بإسلامه.
استدعى النجاشي وأعاد الرسالة إلى عمرو وقال له: ماذا يريد رسول الله؟
قال عمرو وهو ينظر في الرسالة: إنه يدعوك بدعوة الإسلام، أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين.
واستمع النجاشي إلى المترجم باهتمام، فلما أتم ترجمته لكلام عمرو، هز رأسه وتمتم بكلمات، فانتظر عمرو المترجم
[ ١٢٠ ]
فإذا هو يقول: نعم أشهد أنه رسول الله، ولو قدرت أن آتيه لأتيته، وماذا بعد؟
قال عمرو: إنه يطلب منك أن تزوجه أم حبيبة بنت أبي سفيان.
قال النجاشي: حبًا وكرامة، هذا شرف عظيم أولانيه الرسول الكريم، قد زوجته أم حبيبة وأصدقتها عنه أربعمائة دينار، وأمرت لها بكسوة وثياب، وسآمر أهل بيتي أن يأتوها ويهدوا إليها ما يصلح النساء ويسرهن. . وبعد يا عمرو؟
قال عمرو: بارك الله على الملك الصالح. إن رسول الله ﷺ يطلب منك أن تحمل المسلمين الذين في جوارك وتعيدهم معي إلى المدينة.
قال النجاشي لمترجمه: إذهب من فورك وجهز سفينتين من أحسن سفننا واحمل بهما أصحاب رسول الله. . . والتفت إلى عمرو وقال: لقد أمرنا لك بكل ما تريد، وأقرىء رسول الله مني السلام.
أي فرحة غامرة هذه التي امتلأ بها قلب عمرو، لقد حضر بنفسه إسلام النجاشي، ورأى بنفسه مدى إجلاله لرسول الله ومدى احترامه لأوامره. لقد كانت سفارته هذه خيرًا له وللنجاشي وللمسلمين.
وتلقى مهاجرو الحبشة عمرو بن أمية لدى خروجه من
[ ١٢١ ]
عند النجاشي وسألوه بلسان واحد: ماذا وراءك يا عمرو؟
قال عمرو: الخير كله، أسلم النجاشي، وزوج أم حبيبة من رسول الله وأصدقها عنه وأمر لكم بالسفن لتنقلكم إلى المدينة.
وعمت البشرى بين المؤمنين، غدًا نلقى رسول الله ونشارك المسلمين في جهادهم، فمرحبًا بالجهاد في سبيل الله.
ووصل المسلمون ورسول الله قد انتهى من فتح خيبر، آخر معاقل يهود في جزيرة العرب، بل جزيرة الإسلام، وأسرع عمرو إلى رسول الله يقضي إليه بنتائج سفارته، فبان البشر على وجه الرسول، واستقبل المسلمين واحدًا واحدًا، وعندما جاء جعفر بن أبي طالب قبّله – ﵇ – بين عينيه واعتنقه وقال: " ما أدري بأيهما أنا أسر، بفتح خيبر أم بقدوم جعفر "؟
* *
إلى ثقيف:
حاصر رسول الله ﷺ بني ثقيف في الطائف، ثم رأى أن يفك الحصار عنهم لعل الله يأتي بهم مسلمين.
وأخذت ثقيف العزة الجاهلية، وأقامت على عنادها وضلالها، وكان رجال من ثقيف قد أسلموا وأخلصوا دينهم لله فعزّ عليهم أن يتأخر إسلام أهلهم، من هؤلاء الصحابي الجليل عروة بن مسعود الثقفي – ﵁ –.
[ ١٢٢ ]
جاء عروة إلى رسول الله فقال: يا رسول الله دعني أذهب إلى قومي أدعوهم إلى الإسلام، لعل الله يكرمني فيسلموا بدعوتي.
قال له رسول الله ﷺ: " إنهم قاتلوك "!
فقال: يا رسول الله، أنا أحب إليهم من ابكارهم، فدعني أذهب إليهم.
وذهب عروة إلى الطائف وصعد إلى علّيّة له وأشرف منها على قومه ودعاهم إلى الإسلام، فما استمعوا إليه وما التفتوا إلى ما يقول، بل رموه بسهامهم فقتلوه.
كان عمرو بن أميه يستمع إلى خيبر مقتل عروة عندما فكر أن يغامر ويذهب بنفسه لدعوة ثقيف إلى الإسلام، واستأذن رسول الله بذلك ثم وجه راحلته نحو الطائف.
ما الذي يدور في ذهن أبي أمية وهو يتوجه إلى قوم لم يخضعهم الحصار، ولم يقنعهم رجل من أحب الناس إلى قلوبهم، بل عمدوا إلى سهامهم فقتلوه بها؟
ماذا سيفعل عند قوم بينه وبين زعمائهم خصومات جاهلية ربما زادها عمقًا اتباعه دين الحق وبقاؤهم على دين الضلال والشرك؟
لقد فكر عمرو في أمر عروة، لا شك أنه أخطأ اذ قام يدعو إلى الاسلام في ملأ من الناس، وفيهم الرعاع والسفهاء وأوشاب الناس، فلم يتمالكوا أن اعتدوا عليه،
[ ١٢٣ ]
ولو أنه دعا زعماءهم على انفراد لما قتل، لقد اعتمد عروة على حب ثقيف له، وما درى أن رعاع الناس قُلّب لا يثبتون على رأي، يفكرون بأسماعهم ويركبون رؤوسهم، ويسارعون إلى الشر، ولا يفكرون في العواقب! ولكن الله قدر لعروة الاستشهاد، وقدر لي أن أتعلم هذا الدرس الكبير. . .
اذن فقد قرر عمرو أن يكلم سادتهم وذوي الألباب منهم، ولكن ألا يحول دون ذلك ما بينه وبينهم من خصومات واحقاد!
كلا لقد قرر أبو أمية أن يأتيهم من هذا الباب فالعداوة والمباعدة قد تنقلب إلى حب ومقاربة إذا جاء الخصم إلى عدوه على غير انتظار وهو يحمل اليه النصح الخالص بقلب مفتوح.
وجريًا وراء هذا الرأي اختار أبو أمية رجلًا ممن كان بينه وبينه خصومة ذهبت بهم إلى قطعية طويلة وعداء دفين فيمم منزل عبد يا ليل بن عمرو، ودخل فناءه، وطلب من خدمه أن يستدعوه له.
قال واحد من الخدم تطوع أن يدعو سيده: ومن الذي يطلب سيدي؟
قال: عمرو بن أمية الضمري.
دخل الخادم على سيده عبد يا ليل وقال له: سيدي،
[ ١٢٤ ]
إن عمرو بن أمية الضمري بفناء بيتك ويقول لك: اخرج إليّ أكلمك.
أدهشت المفاجأة عبد يا ليل، وقال لخادمه: ويلك: أعمرو أرسل إلي؟
قال الخادم: نعم، وها هو ذا يقف في فناء دارك.
قال عبد يا ليل: إن هذا الشيء ما كنت أظنه، لعمرو كان أمنع في نفسه من ذلك!
نعم، لقد كان عمرو أمنع في نفسه من أن يأتيك يا عبد يا ليل لو كان الأمر متعلقًا بإحن الجاهلية وخصوماتها ولكنه يأتيك الآن من أجل الإسلام، ومن أجل هذا الدين وضع عمرو خصومات الجاهلية دُبر أذنه وتحت قدمه، وأتى إليك – يا عبد ليل – لخيرك ولخير ثقيف، ولخير نفسه أيضًا، فما أعظم أن يهدي الله على يديه قبيلة بأسرها!
وهرع عبد يا ليل إلى عمرو بن أمية وغمره بالترحيب ونادى خادمه وعبيده وأخذ يلقي إليهم أوامره: اذبحوا، واطبخوا، واصنعوا، واجلبوا.
وقاطعه أبو أمية: على رسلك يا عبد يا ليل.
قال عبد يا ليل: إني أريد أن احتفل بانتهاء الخصومة بيننا.
قال عمرو: يا عبد يا ليل، إنه نزل بنا أمر ليس معه هجرة (خصومة) .
قال عبد يا ليل: وما هذا الأمر؟
[ ١٢٥ ]
قال عمرو: إنه كان من أمر هذا الرجل (رسول الله) ما قد رأيت، قد أسلمت العرب كلها، وليست لكم بحربهم من طاقة، فانظروا في أمركم.
وأطرق عبد يا ليل مليًا، ثم رفع رأسه وقال: لقد صدقت يا أبا أمية، ما لنا بحرب العرب من طاقة.
قال عمرو: لقد انجلى الليل وبان الصبح لذي عينين، فوالله إن ما يدعو إليه النبي لحق، وما كنا عليه، وما أنتم عليه الآن لباطل.
قال عبد يا ليل: هذا ما تبين لي منذ زمن، ولكني وأمثالي من سادة ثقيف نخشى مصيرًا كمصير عروة، ولكن دعني أرى رأيي وأجمع قومي، وسوف أدعوهم إلى هذا الدين برفق ولين، وأزين لهم أمر الدخول فيه، وأخوفهم مغبة الاعراض والعناد. .
كانت رحلة عمرو إلى ثقيف يحدوها الاخلاص والأمل وكانت دعوته لعبد يا ليل نابعة من القلب، فوقعت من عبد يا ليل موقعًا وصادفت لديه قبولا، فدعا بها قومه فآمنوا.
وعاد عمرو بن أمية إلى رسول الله ومعه وفد من سادة ثقيف فوقفوا بين يدي رسول الله يشهدون بشهادة الحق، ويبشرون رسول الله بإسلام ثقيف.
[ ١٢٦ ]
* *
إلى مسيلمة الكذاب:
ظن رجال من العرب أن النبوة أمنية يمكن أن يمني بها الإنسان نفسه، ثم يعمل على ادعائها، فينقلها من عالم الخيالات والأحلام إلى عالم الإحساس والواقع، وظنت قبائل من قبائل العرب أن النبوة ابتداع ابتدعته قريش لتباهي به القبائل وتفاخرهم بمجده وسؤدده، وعندما وجدت هذه القبائل من رجالها من ادعى النبوة بادرت تتلقف الفرصة وتنتهز المناسبة لتقابل قريشًا فخرًا بفخر ونبوة بنبوة!
هكذا ظن مسليمة الكذاب، وكذلك كان ظن قومه من بني حنيفة، وذهب بعض رجال هذه القبيلة في التعصب مذهبًا جعلهم يعلنون أن كذابًا من بني حنيفة أحب إليهم من صادق من قريش!
وأرسل رسول الله كتابًا إلى مسيلمة الكذاب مع عمرو بن أمية الضمري، يحبب فيه الإسلام إلى مسيلمة ويكره اليه الفتنة ويبغضه فيها وينهاه عن ركوبها.
وانطلق عمرو إلى مسيلمة في اليمامة، وسلمه كتاب رسول الله ﷺ، ورأى عمرو من غرور مسيلمة ومن افتراءاته الشيء الكثير، وصبر على ما رأى انتظارًا منه لجواب كتاب رسول الله، وأملى مسيلمة كتابه وعمرو يسمع، فراودته نفسه أن يثب عليه فيفتك به لولا أنه لم يؤمر بذلك، ويرد إتمام ما أمره به الرسول.
[ ١٢٧ ]
ماذا كتب مسيلمة في رده على كتاب رسول الله؟
كتب يقول: " من مسيلمة رسول الله إلى محمد رسول الله، سلام عليك. أما بعد، فإني قد أشركت في الأمر معك، وإن لنا نصف الأرض، ولقريش نصف الأرض، ولكن قريشًا قوم يعتدون ".
وحمل عمرو هذه الرسالة وانطلق بها يقطع الصحراء، وانطلقت الأفكار تخطر على فؤاده. . كم هي سامية أهداف الرسالة السماوية التي حملها لنا رسول الله ﷺ، وكم هي متهافتة ومتهالكة هذه الأهداف التي يسعى إليها مسيلمة. إن رسولنا الكريم يحلق بنا في أجواز الفضاء الرباني السامي، ويحاول مسيلمة بكذبه وافترائه أن يشد الناس إلى الأرض ويمرغهم بالتراب، إن رسولنا العظيم يدعو إلى وحدة الأنانية تحت لواء التوحيد، ومسيلمة لم يزل متمسكًا بنتن العصبية وأوضارها. . .
ونظر عمرو إلى الرسالة التي بين يديه، وقال لنفسه: لولا ما حملت من الأمانة لما أوصلت مثل هذه الرسالة لرسول الله ﷺ، ولولا ما أعرف من حكمة رسول الله وفضل رأيه وما يتنزل عليه من الوحي لتكفلت بهذا الدعي الكذاب. .
ومدّ عمرو الرسالة إلى رسول الله، وطأطأ برأسه خجلًا مما فيها، فقرأها – ﵇ – ثم أمر من يكتب إلى
[ ١٢٨ ]
مسيلمة هذا الجواب: " بسم الله الرحمن الرحيم، من
محمد رسول الله إلى مسيلمة الكذاب، أما بعد فالسلام على من اتبع الهدى، فإن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده، والعاقبة للمتقين ".
فيا لك من أحمق أيها الكذاب مسيلمة، تريد الأرض مناصفة بين قومك وبين قريش، وما علمت أن الأرض كلها لله يورثها من يشاء من عباده، وقد وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض، ولم يعد قريشًا أو سواها من القبائل لنسبها أو شرفها، فالله لا يعطي على الأنساب ولكنه يعطي على صالح الأعمال. . .
* *