ساء سالم بن عمير ما كان يسمعه من أبي عفك من سب المسلمين والسخرية بهم، وساءه أكثر من ذلك ما سمعه من أشعار أبي عفك في ذم المسلمين ودعوة الناس للتخلي عن الاسلام والرسول، وخشي من تأثير أبي عفك على قومه، فقد كان فيهم سيدا وكان للشعر عليهم سلطان. . .
وفكر سالم في طريقة يقطع بها لسان هذا الرجل الحاقد، وطاف فكره يبحث فيما فعله رسول الله في امثال هذا الرجل، فوجد أن رسول الله لم يكن يسكت عن هؤلاء الشعراء الذين يُشهرون بالدعوة وبالدعاة بشعرهم، وتذكر ما كان يطلبه رسول الله من أصحابه عندما يبلغه أذاهم بهذا الشعر الذي ينمقونه فيزينون به الكفر ويبغضون به الايمان الى الناس، فقد كان الرسول يلتفت إلى اصحابه ويقول لهم: من لي بفلان؟ فيفهم الصحابة ان الرسول يريد قتله فينتدب لذلك واحد من الصحابة وينزل بالمعتدي بشعره على الاسلام وأهله العقاب الذي قرره الرسول. . قطع لسانه يقطع عنقه إذن فالعقاب الذي يستحقه أبو عفك هو الموت وقرر سالم في نفسه أن يقترب الى الله بدم هذا الكافر، وقال: عليّ نذر أن اقتل ابا عفك أو أموت دونه.
وتربص سالم بأبي عفك يريد أن يقتنص منه غره، فقد كان الرجل منيعًا في قومه لا يوصل إليه، وكان الجانب الضعيف فيه انه كان مغترًا بنفسه وبمنعته، يظن أن أحدًا من المسلمين لا يجرؤ على الاقتراب منه فضلًا عن قتله، فساقه غروره هذا لأن ينام ذات ليلة صائفة بفناء منزله، وكانت هذه فرصة سالم فاقتنصها، لقد امهل عدو الله حتى استغرق في نومه، ثم تقدم منه حتى إذا كان على رأسه وضع السيف في كبده ثم اتكأ عليه حتى انفذه. . .
[ ١٦٦ ]
ودوّى صراخ عدو الله من ألم الطعنة وهول الصدمة. . . فانطلق سالم مبتعدًا عنه بينما هرع إليه نفر من قومه منجدين، فما أدركوه الا جثة هامدة. . .
والتف القوم حول الرجل الهالك، ونظر كل منهم الى الآخر كأنما يسأل ما العمل؟ وطال حديث العيون وصمت الألسنة الى أن قال واحد منهم: من قتل أبا عفك؟ ولما لم يتلق جوابًا من أحد قال: والله لو نعلم من قتله لقتلناه به. . .
وسمعت قالة الرجل المتوعد امرأة مسلمة كانت تقف معهم وتنظر الى عدو الله السابح بدمه، فردت على المتوعد ساخرة بوعيده. . . لقد كان يعلم أن قاتله من المسلمين ولكنه يجبن عنه وعن التصدي له، فقالت تخاطب المتوعد بمخاطبة القتيل:
حباك حنيف آخر الليل طعنة أبا عفك، خذها على كبر السن!
وعلم الناس أن سالم بن عمير قد قتل أبا عفك، فسر ذلك المسلمين وحفظوه له، وساء ذلك المشركين والمنافقين واليهود وودوا لو قتلوه به، ولكن الخوف من المسلمين كان قد تمكن من قلوبهم والهيبة منهم كانت قد ملأت عيونهم. . . فتركوه يمشي بينهم يزيد في غيظهم فتغلي أحقادهم في صدورهم.