وجلس أبو عبد الرحمن يستمع إلى مصعب بن عمير وهو يقرأ القرآن ويشرح الإسلام، وكان كلما ذكر رسول الله ﷺ بدا في عينيه الشوق إليه والتلهف للقائه، وذات مرة التفت إلى مصعب وقال له: كم أنا مشوق لرؤية رسول الله ﷺ فمتى يدور العام ويأتي موسم الحج ونحظى بلقائه؟
ابتسم مصعب وقال: تحل بالصبر أبا عبد الرحمن، فسرعان ما تمر الأيام وينقضي العام.
قال ابن مسلمة: كم أنا متلهف لأن تطوى الأيام. . ثم صمت قليلًا وقال: أخشى أن لا ألقى الرسول لسبب أو لآخر، ولكن ألا تصفه لنا؟ فإنك لازمته وسعدت بالتطلع إلى وجهه الكريم.
[ ٦٢ ]
قال الحاضرون بصوت واحد: تكلمت بما في نفوسنا يا بن مسلمة، فصف لنا رسول الله يا بن عمير، اعتدل مصعب في جلسته وأطرق برأسه وأغمض عينيه كأنه يستحضر صورة رسول الله ﷺ في ذهنه، ثم رفع رأسه وقال: رسول الله ﷺ أبيض اللون مشرب حمرة، أدعج العينين (١) مقرون الحاجبين، سبط الشعر (٢)، كثُّ اللحية، بعيد ما بين المنكبين، كأن عنقه إبريق فضة، شئن الكف والقدم (٣)، إذا مشى كأنما ينحدر من صبب وإذا قام كأنما ينقلع من صخر، إذا التفت التفت جميعًا، كأن عرقه في وجهه اللؤلؤ، ليس بالقصير ولا بالطويل، بين كتفيه خاتم النبوة من رآه بديهة هابه ومن خالطه معرفة أحبه، أجود الناس كفًا وأجرأ الناس صدرًا، وأصدق الناس لهجة وأرقى الناس بذمة وألينهم عريكة وأكرمهم عشرة، لم أر قبله ولا بعده مثله ﷺ.
كان الصمت مخيمًا على هذه الثلة من المؤمنين وهم يستمعون إلى هذا الوصف الرائع لرسول الله، وما إن انتهى مصعب من وصفه حتى هتفوا بصوت واحد: صلى الله عليك وسلم يا رسول الله.
_________________
(١) دعجت العين: اشتد سوادها وبياضها، واتسعت.
(٢) سبط الشعر: مسترسل الشعر، ليس بجعد.
(٣) شئن الكف والققدم: غليظ الكف والقدم.
[ ٦٣ ]
استقبال المهاجر:
ما أطول سويعات الانتظار، وما أشدها على قلوب المحبين، فكم من مرة وقف فيها محمد بن مسلمة يتطلع نحو الأفق لعله يكون أول من يرى رسول الله قادمًا من مكة، لقد آن أوان العمل والجد من أجل الإسلام ودعوته، لقد عاهد محمد بن مسلمة نفسه وربه على أن يلازم رسول الله ﷺ في روحاته وغدواته، فيكفي ما فاته من لقائه يوم العقبة الثانية.
وتطلع أبو عبد الرحمن نحو الأفق، إنه يرى موكبًا، إنه يسمع مصعبًا وهو يقول: هـ هذا موكب رسول الله سيد ولد آدم وخاتم رسل رب العالمين.
ويتطلع أبو عبد الرحمن إلى الموكب، يا له من موكب بسيط في مظهره عظيم في جوهره، موكب من ثلاثة نفر يقترب من ثنية الوداع، لا فلنسمها اليوم ثنيّة الاستقبال ثنية الفرح والسرور، ثنية الفجر الجديد الذي أطل على يثرب وأهل يثرب.
وارتفعت أصوات الناس تسأل: أيهم رسول الله؟ ويتطلع أبو عبد الرحمن نحو الركب، ويتذكر صفة رسول الله كما سمعها من مصعب بن عمير فيعرف رسول الله ويقبل عليه في موكب الأنصار، فما أعظم لحظات اللقاء.
[ ٦٤ ]
* *