في مجتمع يثرب:
ماذا يفعل أطفال يثرب منذ أن تشرق شمسهم إلى أن تغيب؟
ما الذي يشغل فتيانها وشبابها على كرّ الليالي وتعاقب الأيام؟
بم يفكر رجال يثرب وشيوخها آناء الليل وأطراف النهار؟
لا أظن أن هناك ما يشغل الأطفال سوى مرحهم ولعبهم، وجريهم في أزقّة يثرب وبين نخيلها الذي يحيط بيوتها.
أما الفتية الشباب، فلهم من فتوّتهم وشبابهم ما يدفعهم إلى مغامرات متنوعة بين أترابهم من الفتيات، أو في
[ ٢٣ ]
ساحات الصيد، أو ميادين التدريب على فنون القتال، فلم يكن في جزيرة العرب شيء يشغل فتيانها غير هذه الأمور، فهم بين حب وحرب، أو حب وصيد!
أما رجال يثرب وشيوخها فإنه يشغلهم شيء آخر، يشغلهم، بالإضافة إلى معاشهم وكسبهم، هذه الحرب التي لا تهدأ إلا لتعود جذعة (١) مرة أخرى، لقد ابتلاهم الله بمجاورة يهود، ويهود لا تعيش إلا في أجواء الدّس والوقيعة والغدر والربا! فأوقعت هؤلاء الإخوة من الأوس والخزرج في ضائقات اقتصادية وشرور حربية، جعلت حياتهم جحيمًا مستمرًا، يلجونه طائعين، بل فخورين! حتى إذا طالت عليهم هذه الحال، وأكلت شبابهم وشيوخهم وأموالهم، وكادوا أن يتفانوا، تداعوا إلى الصلح ونبذ الأحقاد، وطي ما مضى من عداء، وانتهى أمرهم إلى أن قرروا تنصيب واحد منهم ملكًا عليهم، يصلح من شأنهم، وينظم لهم أمورهم.
هؤلاء هم الرجال الذين عاش بينهم عبد الله بن أنَيْس فتى يافعًا شب عن الطوق، وأخذ يحضر مجالس الرجال، يتعرف على ما يهم هذه البلدة التي آوته حليفًا لبني سلمة، محبًا لهم، متخذًا له من بينهم أصدقاء يحبهم ويحبونه،
_________________
(١) جذعة: جديدة كما بدأت.
[ ٢٤ ]
فكان لا يُرى إلا مع صديقيه، معاذ
بن جبل (١) وثعلبة ابن عنَمة، يروحون ويغدون بين مجالس الرجال، وقد تهيأوا ليكونوا أعضاء في مجتمع الرجولة بعد أن تجاوزوا سريعًا مرحلة الصبا.
وعلى الرغم من افتخار عبد الله بن أنيس بقومه من بني وبرة من قضاعة، فإن إعجابه بشباب ورجال حلفائه من بني سلمة كان شديدًا، مما جعله يؤثرهم، ويبقى معهم في يثرب، ويطيل البقاء، حتى أصبح واحدًا من أهلها، يفرحه ما يفرحهم، ويسوؤه ما يسوؤهم.
* *