ومرض رسول الله فوجفت قلوب المسلمين، واشتد به الوجع فهرولوا إلى مسجده وبيته يستطلعون الخبر، وماج المسجد بمن فيه وانتشر خبر وفاته ﷺ فكثر اللغظ وعلا وسُمع عمر وهو يتهدد الناس ويتوعدهم: من قال إن محمدًا قد مات ضربت عنقه!
ولم يهدأ القوم حتى سمعوا أبا بكر يتلو عليهم قول ربهم: " وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل، أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم، ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئًا، وسيجزي الله الشاكرين " (١) . وقد استمعوا إليه في ذهول وهو
يقول: " من كان يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت ".
_________________
(١) الآية ١٤٤ من سورة آل عمران.
[ ٥٣ ]
ومادت الأرض بعبد الله بن أنيس، لقد مات رسول الله، لقد أفلت شمس النبوة، فماذا يفعل الناس بعد رسول الله؟ وماذا عن الجهاد في سبيل الله؟ لقد جعل الرسول الجهاد عند عبد الله كالحياة، يجري حبه في عروقه مجرى الدم.
ودمعت عيناه، وحزن قلبه لفراق رسول الله، وعبر لسانه عما يجده لهذا الحادث الجلل:
تطاول ليلي واعترتني القوارع وخطب جليل للبلية جامع (١)
غداة نعى الناعي إلينا محمدًا وتلك التي تستك منها المسامع
فلو رد ميتًا قتل نفسي قتلتها ولكنه لا يدفع الموت دافع
* *