كانت قريش قبائل تنتمي إلى أب واحد، ولكنها لم تكن سواء في السيادة والشرف، فمنها ما كان متقدمًا فيهما، ومنها ما كان متأخرًا لا يكاد يذكر له شيء منهما، ومنها ما كان بين هذا وذاك، لا هي بالنابهة المتألفة فيهما ولا هي بالخاملة ميتة الذكر. . .
وكانت المنافسة على السيادة والشرف تدور بين ثلاث من قبائل قريش، هاشم وأمية ومخزوم، وكانت هذه المنافسة تشتد أحيانًا حتى تغدو قريبة من العداء المستحكم، ولكن التقدم كان دائما من نصيب بني هاشم وكانت القبيلتان الأخريان، أمية ومخزوم، تحاولان أن تصعدا سلم الشرف والسيادة لتلحقا بهاشم، ولكن هيهات هيهات. . فقد بقي بنو هاشم سادة قريش وبقيت أمية ومخزوم بعدهم تجريان وراءهم تحاولان أن تلحقا بهم وتنافساهم.
لهذه المنافسة المتقدة على الشرف والسيادة برز من تلك القبيلتين رجال يذكرون إذا ما عدت رجال قريش، ويحضرون اذا ما عقدت مجالس قريش، تلك المجالس التي خصصت لها ندوة قريش التي لا يحضرها إلا راسخ في السيادة معرق في الشرف. . .
[ ١٣٣ ]
بنو مخزوم والدعوة الى الإسلام:
عندما عرض رسول الله ﷺ دعوة الإسلام على قريش، تلقاها زعماء القبائل، ومنهم بنو مخزوم، على أنها مكرمة من مكارم السيادة والشرف تتنافس عليها القبائل ويتسابق اليها الرجال، فأبى هؤلاء الأشراف أن يقروا لبني هاشم بالنبوة، وناصبوا رسول الله العداء، أما العقلاء من شباب قريش فقد تلقوا دعوة الإسلام بالقبول، فأقبلوا على رسول الله مصدقين وعلى دعوة الإسلام مؤمنين.
كان بنو مخزوم من أكثر القبائل القرشية عداء للرسول ودعوته، أبوا أن يكون النبي من قبيلة أخرى غيرهم وقد بالغوا في العداء ولجّوا فيه حتى ظهر من بينهم فرعون هذه الأمة، أبو جهل عمرو بن هشام، كما ظهر من بينهم واحد من زمرة المستهزئين بالدعوة: الوليد بن المغيرة. . .
وعلى هذا العداء الشديد من زعماء بني مخزوم وسادتهم، فقد آمن من عقلاء شبابهم نفر آثروا الحق والصدق على التنافس على رموز الدنيا البالية الفانية، فقد كان من بين السابقين إلى الإسلام، سلمة بن هشام وعياش بن أبي ربيعة المخزوميان. .
موقف الوليد بن المغيرة من الاسلام:
كان الوليد بن المغيرة سيد بني مخزوم، وكانت له في قريش مكانة سامية واحترام عظيم، وكان هو في نفسه عظيمًا، لا يرى لأحد عليه فضل، ولا يرى أحدًا أحق منه بزعامة قريش وسيادتها، فقد كان القرشيون خاصة، والعرب عامة، يعتبرون العز والسيادة للكاثر مالا وولدًا، وقد آتى الله الوليد مالًا وولدًا، فكيف لا يرى نفسه سيد قريش وقد كان عنده من المال ما مكنه من كسوة الكعبة بمفرده سنة
[ ١٣٤ ]
وتكسوها قريش مجتمعة سنة أخرى حتى سُمي بينهم بالعِدْل. . أي أنه يعدل قريشًا كلها مالا. . . ثم كيف لا يرى نفسه سيد قريش وكبيرها وقد آتاه الله ولدًا يصول بهم ويجول بين رجال قريش وقبائلها. . . فقد كان له من الأولاد: خالد بن الوليد، وعمارة بن الوليد، وابو قيس بن الوليد، وهشام بن الوليد، والوليد بن الوليد.
وعندما عرض رسول الله – ﷺ – الاسلام على قريش فزع الناس إلى الوليد يسألونه الرأي، فما كان منه إلا أن قال لهم قبل أن يسمع للرسول وقبل أن يستمع إلى القرآن: أينزل الوحي على محمد واترك أنا كبير قريش وسيدها ويترك أبو مسعود سيد ثقيف. . ونحن عظيما القريتين!
وقد حكى لنا القرآن الكريم قصة الوليد هذه ورد عليها فقال: " وقالوا: لولا نُزّل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم، اهم يقسمون رحمة ربك، نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا، ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضًا سُخْريًا، ورحمه ربك خير مما يجمعون " (١) .
كانت هذه ردة الفعل الأولى لدى الوليد بن المغيرة. . انه لا يقبل أن ينزل القرآن على فتى يتيم فقير في قريش ويترك هو كبير القوم واكثرهم مالًا وولدًا. . .
ولكن. . هل يتراجع الوليد عن هذا الموقف عندما يقابل الرسول ويستمع إليه؟
لقد كانت الفصاحة في قريش، وكان الوليد على درجة عالية من الفصاحة والتذوق للفصيح، ولكنه كان يتحاشى أن يستمع
_________________
(١) الآيتان ٣١ و٣٢ من سورة الزخرف.
[ ١٣٥ ]
للقرآن أو أن ينصت لحديث الرسول، ولكن هذا الموقف لم يستمر، فقد مر ذات يوم رسول الله وهو يقرأ القرآن، فقرعت آياته أذنيه، فوقف فأنصت، فأثرت آيات القرآن في قلبه، فانطلق حتى أتى مجلس قومه من بني مخزوم فقال لهم: والله لقد سمعت من محمد آنفًا كلامًا ما هو من كلام الإنس ولا من كلام الجن. . . والله إن له لحلاوة وان عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر، وان أسفله لمغدق، وإنه ليعلو ولا يُعلى عليه. ثم انصرف إلى منزله مفكرا فيما سمع من محمد وفيما قال لقومه من بني مخزوم.
قال بنو مخزوم: لقد صبأ والله الوليد، ولتصبأن قريش كلها.
قال أبو جهل: أنا أكفيكموه. .
وانطلق أبو جهل حتى دخل على الوليد وجلس إلى جانبه متصنعًا الحزن والأسى، فقال له الوليد: ما لي أراك حزينًا يا بن أخي؟
قال أبو جهل: كيف لا أحزن وهذه قريش تجمع لك مالًا ليعينوك على كبر سنك، ويزعمون أنك زيّنت كلام محمد وصبأت لتصيب من فضل طعامه وتنال من ماله؟
فغضب الوليد وقال: ألم تعلم قريش اني من أكثرهم مالًا وولدا؟ وهل شبع محمد وأصحابه من الطعام حتى يكون لهم فضل طعام؟
ثم قال مع أبي جهل حتى أتى مجلس قومه فقال لهم: تزعمون أن محمدًا مجنون، فهل رأيتموه يُخنق؟
قالوا: اللهم لا.
قال: تزعمون أنه كاهن فهل رأيتموه تكهن قط؟
قالوا: اللهم لا.
[ ١٣٦ ]
قال: تزعمون أنه شاعر فهل رأيتموه نطق بشعر قط؟
قالوا: اللهم لا.
قال: تزعمون أنه كذاب فهل جربتم عليه كذبا قط؟
قالوا: اللهم لا.
ثم التفت الناس الوليد وقالوا: فما هو اذن؟
فروّى قليلًا يفكر في هذا الأمر ثم قال: ما هو إلا ساحر، اما رأيتموه يفرق بين الرجل وأهله وولده، ما هذا الذي يقوله إلا سحر يؤثر.
ونزل القرآن مرة ثانية يحكى موقف الوليد ويقرّعه ويتوعده، فقال – جل من قائل -: " ذرني ومن خقلت وحيدا، وجعلتُ له مالًا ممدودا، وبنين شهودا، ومهدت له تمهيدا، ثم يطمع أن ازيد، كلا انه كان لآياتنا عنيدا، سأرهقه صعودا، انه فكر وقدر، فقتل كيف قدر، ثم قتل كيف قدر، ثم نظر، ثم عبس وبسر، ثم ادبر واستكبر، فقال ان هذا الا سحر يؤثر، ان هذا الا قول البشر، سأصليه سقر. . . " (١) .
مصير أولاد الوليد:
أما عمارة بن الوليد فقد كان أنهد فتى في قريش وأجمله، بلغ من إعجاب قريش بشبابه وجماله ان عرضوه على أبي طالب ليتخذه ولدا بدلًا من محمد – ﵇ –، على أن يأخذوا محمدًا فيقتلوه.
قالوا: يا أبا طالب، هذا عمارة بن الوليد أنهد فتى في قريش واجمله فخذه، فلك عقله ونصره، واتخذه ولدًا، فهو لك، وأسلم لنا ابن أخيك هذا الذي قد خالف دينك ودين آبائك، وفرّق جماعة
_________________
(١) الآيات من ١١ إلى ٢٦ من سورة المدثر.
[ ١٣٧ ]
قومك، وسفه أحلامهم، فنقتله. . . فإنما هو رجل برجل!
قال أبو طالب: لبئس ما تسومونني، أتعطونني ابنكم اغذوه لكم، واعطيكم ابني تقتلونه؟
وخرج القوم من عند أبي طالب وقد اجمعوا على عداوته، وتشديد الوطأة على محمد ومن تبعه منهم. وأمر رسول الله – ﷺ – من أسلم بالهجرة الى الحبشة فرارًا بدينهم من أذى قريش، فأرسلت قريش وراءهم عمرو بن العاص وعمارة بن الوليد يغرون بهم النجاشي لعله يردهم عن دينهم أو يسلمهم الى قريش تسومهم سوء العذاب..
وكان مع عمرو بن العاص في رحلته الى النجاشي امرأته، فراودها عمارة عن نفسها، فأسرها عمرو حتى اغرى به النجاشي، فكاد له هذا حتى قتله طريدًا شريدًا في صحاري الحبشة.
وأما أبو قيس بن الوليد فقد قُتل بمكة كافرا، ولم تذكر المصادر التي بأيدينا كيف كان قتله، وأغلب الظن أنه قتل في أثناء فتح مكة.
وأما خالد بن الوليد، فهو سيف الله المسلول، وصاحب الفتوحات المجلّية في جبهتي فارس والروم. . . لم يزل معاندًا لرسول الله – ﷺ – حتى أسلم بعد الحديبية، فشارك في غزوة مؤتة، فأظهر من الكفاية الحربية والمهارة الادارية ما استحق عليه لقبًا من ألقاب الإسلام الخالدة. . سيف الله. . ﵁ وأرضاه.
أما هشام بن الوليد فهو ذو الأعصاب المتوفزة والمزاج الحاد، قتل أبا أزيهر الدوسي على مرأى من الناس ومشهد، تلبية لوصية أبيه التي أقر فيها أنه متجنّ على الرجل، ومع ذلك أوصى بقتله عصبية جاهلية، فاستجاب هشام للوصية، وقال حين اقدم على قتله يصف نفسه:
[ ١٣٨ ]
لساني طويل فاحترس من شدائه
عليك، وسيفي من لساني أطول!
وبقي هشام على كفره إلى يوم الفتح. . فأسلم، وكان من طائفة المؤلفة قلوبهم. ..